ملك إنكلترا هنري الثامن قال في الحرب: إن تبدأ حربًا فإن ذلك لا يحتاج إلى استشارة، أما أن تنهيها بكرامة فإن ذلك يحتاج دراسةً. هذه هي الإشكالية الكبرى التي تواجه الحرب الآن وامتداداتها الإقليمية والكونية. فالحرب سهلٌ أن تندلع تحت تأثير أيّ قرارٍ سياسيٍّ أهوج متسرّع، لكن كيف تنتهي بكرامةٍ لكل طرف؟ وكيف يمكن أن يخرج كل طرفٍ منها منتصرًا محققًا كل أهدافه؟ هذه المرة الحرب ليست كأيّ حربٍ يمكن أن تقع بين أميركا كدولة قوة عالمية ترفض منافستها للقرار العالمي وتسعى للهيمنة العالمية، وإسرائيل التي تسعى لتحقيق هدف إسرائيل الكبرى، وإيران كدولة قوة إقليمية وسعيها لإحياء حلم الإمبراطورية الفارسية. فالولايات المتحدة الدولة العظمى التي يريدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي لن تقبل بأيّ هزيمةٍ حتى لو ذهبت إلى القوة النووية، وإسرائيل التي تدرك أن نهايتها في هزيمتها وعندها الخيار الشمشوني هدم المعبد على رؤوس الجميع، وإيران الدولة التي ترى في نفسها القوة الإقليمية الوحيدة، لن تقبل بالهزيمة لأن الهزيمة أن تفقد نظامها وبقاءها، وللحيلولة دون ذلك ستستخدم كل ما لديها من قوةٍ حتى لو القوة النووية غير المعلنة.
قواسم مشتركة تدفع في اتجاه استبعاد استمرار الحرب، خوف أميركا أن تفقد مكانتها كدولةٍ عظمى أحادية متحكمة في القرار العسكري في العالم وليس القرار السياسي، وإيران أن تفقد ليس فقط نفوذها بل حكمها الملالي، ومثل هذه أنظمة تخاطر بكل شيء، أو كما يقال: أنا والطوفان من بعدي. أضف إلى ذلك شعار ترامب أولًا، فالرئيس ترامب يدرك تمامًا أن هذه الحرب مع إيران سيكون ثمنها خسارته للرئاسة، وهو الطموح الكبير الذي دفعه كما رأينا، وفي حالةٍ غير مسبوقة، أن يهاجم أربعة نائباتٍ في الكونغرس ويطالبهن بالعودة لبلادهن وهن ممثلات للشعب الأميركي، ويذهب بعيدًا في ميكيافيليته السياسية للحفاظ على الرئاسة ثانيةً، إلى درجة التضحية بأقرب الحلفاء والمناصرين له، وهو قد ذهب للحرب يبحث الآن عن مخرجٍ وانتصارٍ معلن، وهذا ما يدفعه للتناقض في الأهداف المعلنة للحرب، تارةً بتغيير النظام وتارةً بنزع السلاح النووي والصاروخي وتحويل إيران لدولةٍ ضعيفة.
البديل لذلك لكل من أميركا وإيران هو الحرب بدون الحرب، يمارسان درجةً من درجات الحرب والتصعيد، فمن ناحيتها الولايات المتحدة تذهب بعيدًا في ممارسة سياسة التهديد، ممارسة أقصى درجات الحرب وتوسيع نطاقها الإقليمي، والسماح لإسرائيل بالذهاب بعيدًا في اللجوء لكل القوة العسكرية، وتبني خيار الحرب بالوكالة، والعمل على تشكيل قوةٍ أمنيةٍ بحريةٍ لحماية مضيق هرمز لما لغلق المضيق من تداعياتٍ اقتصاديةٍ ليست على مستوى الولايات المتحدة بل العالم، والخوف من تحولها لحربٍ بأبعادٍ كونية، فعين الولايات المتحدة على الصين وروسيا التي تدرك أن من مصلحتهما انغماس أميركا في مستنقع حربٍ يصعب الخروج منها.
ومن ناحيتها إيران تمارس أشكالًا وصورًا متعددةً من الضغط، تارةً بعدوانها المتواصل لدول الخليجية العربية بالرغم من مواقفها السلمية والتي تدعو لوقف الحرب والحوار، وتارةً بالتهديد بغلق مضيق هرمز، وتذهب بالتصعيد درجاتٍ متقدمةً من الحرب حتى بضرب أهدافٍ مدنيةٍ في الدول الخليجية العربية، والسماح لوكلائها كحزب الله بالمشاركة في الحرب بالرغم من ما لتلك المشاركة من حربٍ واسعةٍ على لبنان.
هذه السياسة المشتركة لكل منهما هدفها واضح: العودة لخيار التفاوض، لكن دون هزيمةٍ مسبقة، لأن كل طرفٍ يعني في النهاية أن المفاوضات تعني قدرًا من التنازل السياسي في الكثير من المطالب، الآن البحث عن أول مراحل الشروع في التفاوض بالاستجابة لمطلبٍ أو مطالب يفرضها كل طرف، حتى يبدو أنه قد ذهب للمفاوضات منتصرًا، وهذه تسمى باستراتيجية حفظ ماء الوجه التي يسعى الوسطاء للوصول لها إيذانًا بالذهاب والموافقة على خيار المفاوضات، وهو الخيار الحتمي أمام كل الأطراف. وهذه الاستراتيجية تعرف وتسمى التفاوض بالحرب.
كل هذا يضعنا أمام نموذجٍ معقدٍ مغايرٍ لكل النماذج السابقة التي عرفتها العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، نموذجًا تجد فيه إيران مخرجًا لها كما للولايات المتحدة، نموذجًا فرضته خيار حرب ستكون أقرب إلى الحروب العالمية في تداعياتها ونتائجها، وستترتب عليها خارطةٌ سياسيةٌ جديدةٌ تعيد رسم قوى النفوذ الإقليمية والدولية، ولا أحد يضمن كم تكون مساحة النفوذ الخاصة به، وقد تعيد هيكلة النظام الدولي كله من نظام الهيمنة والأحادية إلى نظامٍ تعددي، ونظام شرق أوسطي بتحالفاتٍ وموازين قوى جديدة.


