: آخر تحديث
هل هناك تناقض بين الواجب الوطني وحق الجمهور في الحقيقة؟

الصحافة الحرة في زمن الحرب

5
7
5

لقد مرت على إسرائيل وعليّ شخصيًا حروبٌ عدة وأزماتٌ أمنيةٌ عديدة، ومنذ أن شرعت في ممارسة العمل الصحفي كان يواجهني تحدي القيام بمهمة الصحافة وسط متطلبات الأمن الوطني، فتبلورت لدي الأفكار التالية:

في أوقات الحرب والأزمات، يصبح دور الصحافة الحرة معقدًا، مشحونًا، وأحيانًا متناقضًا. فمن جهة، يُتوقع منها أن تتحلى بالمسؤولية الوطنية، وألا تضر بالمجهود الحربي أو تعرّض حياة الناس للخطر من خلال نشر معلوماتٍ حساسة. ومن جهةٍ أخرى، فإن رسالتها الأساسية، كشف الحقيقة، ومراقبة السلطة، وتزويد الجمهور بصورةٍ واقعيةٍ وموثوقة، لا تتلاشى تحديدًا في اللحظات التي تتسع فيها صلاحيات السلطة وتضعف فيها الرقابة.

تكمن المعضلة الأساسية في مسألة "التجنّد". فهناك من يرى أن الصحافة جزءٌ من المنظومة الوطنية في حالات الطوارئ، وأداةٌ لتعزيز المعنويات والتماسك المجتمعي. هذا التوجه يركّز على ضرورة ضبط النفس، والتضامن، ومنع الهلع. غير أن الإفراط في هذا "التجنّد" قد ينزلق سريعًا إلى دعاية، حيث تُهمَّش الأسئلة الصعبة ويُغذّى الجمهور بمعلوماتٍ جزئيةٍ أو موجّهة.

في المقابل، لا تستطيع الصحافة الحرة الحقيقية أن تتخلى عن واجبها في طرح الشكوك. ففي زمن الحرب تزداد أهمية فحص أهداف القتال، وتحليل أساليب العمل، وتقييم الأثمان، البشرية والسياسية والاقتصادية. وقد أثبت التاريخ أن قراراتٍ مصيرية تُتخذ أحيانًا تحت الضغط، وأحيانًا في ظل أخطاءٍ أو اعتباراتٍ سياسية. ومن دون صحافةٍ نقدية، يبقى الجمهور بلا أدواتٍ حقيقيةٍ لمحاسبة قيادته.

ومع ذلك، فإن الحرية ليست مطلقة. فهناك مسؤوليةٌ أخلاقيةٌ واضحةٌ تفرض الامتناع عن نشر معلوماتٍ قد تعرّض الجنود أو المدنيين للخطر. وهنا تبرز المهنية: التمييز بين المعلومات ذات القيمة العامة الواضحة وبين التفاصيل التكتيكية الحساسة. فالصحفي المحترف يدرك أن ليست كل حقيقةٍ تُنشر فورًا وبكاملها، ولكن أيضًا ليست كل معلومةٍ يجب حجبها باسم "الأمن".

إن قواعد الأخلاقيات المهنية لا تتوقف في زمن الحرب، بل على العكس، تصبح أكثر أهمية. فالمصداقية، والدقة، والتحقق من المصادر، والفصل بين الخبر والرأي، هي أسسٌ لا غنى عنها، خاصةً في ظل انتشار الشائعات والمعلومات المضللة. كما أن للغة دورًا حاسمًا: تجنّب التحريض، والتعميم، ونزع الشرعية، مع الحفاظ على البعد الإنساني حتى تجاه الخصوم.

في نهاية المطاف، لا يُفترض بالصحافة الحرة أن تكون بوقًا للسلطة ولا عامل تقويضٍ لمجرد التقويض. دورها هو أن تكون بوصلةً للمجتمع، توازن بين المسؤولية الوطنية والالتزام بالحقيقة. فالمجتمع الديمقراطي يُقاس ليس فقط بقدرته على الانتصار في الحروب، بل أيضًا بقدرته على صون حرية الفكر والنقد في خضمها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.