في كل مرة يخرج فيها أحد أركان منظومة حزب الله ليتغنى بـ"الصمود" و"الكرامة" و"منع الفتنة"، لا بد أن يتذكر اللبنانيون واقعة حقيقية ومؤلمة على حد سواء، وهي أن حزب الله ومن يمثله يصادرون الدولة ويتحدثون باسمها، ويقمعون المجتمع ويقدمون أنفسهم كحماة له؛ وهم الذين بنوا سلطتهم على التخويف والتهريب والابتزاز. هؤلاء لا يمكنهم أن يصبحوا رجال دولة فقط لأنهم جلسوا أمام كاميرا وتفاصحوا بمفردات الصبر والنصر والمقاومة.
المقابلة الأخيرة التي أطل فيها وفيق صفا لم تكن مجرد إطلالة إعلامية لمسؤول حزبي يحاول رفع معنويات بيئته. لقد كانت، في جوهرها، عرضًا مكشوفًا لذهنية متكاملة تعتبر أن لبنان مجرد ساحة، والدولة وظيفة ثانوية، والمجتمع بمكوناته كافة يجب أن يعيش تحت سقف "المقاومة" كما يعرّفها الحزب، لا كما يعرّفها القانون أو الدستور أو المصلحة الوطنية. والأخطر من ذلك، أنها كشفت مرة جديدة كيف يُصرّ رجل مثل وفيق صفا على تقديم نفسه كرمز "للثبات"، فيما تاريخه ودوره الفعليان يضعانه في خانة أخرى تمامًا: خانة الشبكات الأمنية الموازية، والاقتصاد الأسود، وتفريغ الدولة من جوهرها.
صفا، الذي يتحدث بثقة عن "منع الفتنة الداخلية"، هو نفسه الذي يمثل أحد أبرز أوجه تحويل لبنان إلى رهينة أمنية. فهو لا ينطلق من منطق الدولة التي تحتكر العنف وتحفظ السيادة، بل من منطق العصابة التي تعتبر السلاح حقًا حصريًا لها، وتعتبر اعتراض الآخرين على هذا السلاح نوعًا من "الخيانة" أو "الطعن بالمقاومة". هكذا ببساطة يصبح اللبناني الذي يطمح إلى دولة فعلية متهمًا، وتصبح الحكومة "مقصّرة" لأنها لا تسلم البلد بالكامل لإرادة الحزب، ويصبح مطلوبًا من الجيش أن يكون مجرد شاهد على انهيار السيادة، لا ضامنًا لها.
المفارقة الفاقعة في كلام صفا أنه يهاجم الدولة وهو يعيش في كنفها، ويتهم السلطة بإشعال الفتنة فيما حزبه هو الذي بنى، طوال سنوات، منظومة كاملة قائمة على تجاوز المؤسسات وإذلالها. فهو يطالب الحكومة بالتراجع، ويهددها ضمنًا، ويتحدث عن مرحلة "ما بعد الحرب" بلغة تصفية الحسابات، ثم يريد من اللبنانيين أن يقتنعوا بأن حزب الله هو حامي السلم الأهلي. أي سلم أهلي هذا الذي يقوم على معادلة: إمّا الخضوع لسلاح الحزب، أو الاتهام بالتحريض؟ وأي منطق هذا الذي يزعم أن السابع من أيار (مايو) كان خطوة لتجنّب الصدام مع الجيش، فيما كان في حقيقته انقلابًا مسلحًا على المدينة والدولة والناس؟
الأخطر في خطاب صفا ليس فقط ما يقوله، بل ما يفترضه حقًا مكتسبًا. فهو يتحدث عن الجنوب وكأنه ملكية حصرية، وعن السلاح كأنه تفصيل حياتي طبيعي، وعن عبور المسلحين وانتشارهم وكأنه أمر لا يحتاج إلى تبرير. في هذا الخطاب لا وجود للبنان ككيان سياسي مستقل، بل هناك "بيئة" و"مقاومة" و"معركة طويلة" و"شراكة مع إيران" علنية أو مبطنة، لكنها واردة في كل سطر وكل جملة. حتى حين يزعم أن الحزب دخل المعركة دفاعًا عن لبنان، يعود سريعًا ليعترف أن الدافع هو الثأر لـ"الولي" و"المرجع"، أي أن الأولوية الحقيقية ليست للبنان بل للولاء العقائدي والسياسي العابر للحدود.
وهنا بالتحديد يسقط قناع "الصمود".
فالصمود لا يكون بجعل شعب بأكمله درعًا بشريًا لمشروع إقليمي. والصمود لا يُجسَّد في تدمير ما تبقى من مؤسسات البلد ثم تطلب من الناس التصفيق لأنك ما زلت قادرًا على إطلاق الصواريخ. وليس أن تساوي بين دولة تحاول، ولو بعجز، أن تحافظ على ما بقي من شرعية، وبين تنظيم مسلح يفتخر بأنه أعاد بناء قدراته العسكرية بعيدًا من أعين الدولة. هذا ليس صمودًا. هذا إصرار مرضي على خطف لبنان مرة جديدة وتقديمه قربانًا لحسابات لا علاقة لها بمصلحة اللبنانيين.
ثم إن وفيق صفا ليس مجرد ناطق سياسي يمكن اعتبار كلامه رأيًا من ضمن الآراء. الرجل ارتبط اسمه، وفق ما هو متداول وموثق في أكثر من مسار، بشبكات تنسيق أمني ومعابر وعمليات تسهيل وتهريب واستغلال للمرافئ والمطار والمعابر الحدودية، وقام بتهديد القاضي طارق بيطار المحقق العدلي بانفجار مرفأ بيروت في 4 آب (أغسطس) 2021، بدون أي محاسبة.
أي أننا لسنا أمام مفكر إستراتيجي يقدّم قراءة للمنطقة، بل أمام نموذج صارخ عن كيفية تحوّل "المقاومة" إلى بنية نفوذ أمني ومالي عابر للقوانين، هذا إذا سلمنا جدلًا أنهم حركة مقاومة في الأصل. وحين يخرج مثل هذا الرجل ليحدّث اللبنانيين عن الأخلاق والكرامة والسيادة، فإن الإهانة لا تكمن فقط في مضمون كلامه، بل في افتراضه أن ذاكرة الناس قد تخذلهم إلى هذا الحد.
والمشهد يزداد فجاجة حين نضع هذا الخطاب جنبًا إلى جنب مع الواقع: ففيما يواصل وفيق صفا وأبناؤه ودائرته الضيقة التمتع بثمار الفساد والسطوة والامتيازات التي راكموها على حساب الناس والدولة، يُترك جمهور الحزب، الذي صدّق هذه الأكاذيب عن "العزة" و"الكرامة"، ذليلًا في الخيم ومراكز الإيواء، يتجرّع مرارة النزوح ويقتات على شعارات جوفاء لا تعيد له بيتًا ولا تحفظ له أرضًا.
أولئك الذين طُلب منهم أن يصفّقوا لـ"الصمود" هم أنفسهم من دفعوا الثمن من أرواحهم وأرزاقهم ومصير أولادهم، فيما أهل المنظومة يعيشون في أمان نفوذهم، محصّنين بالمال والحماية والصفقات. هكذا تصبح "الكرامة" التي يبشّرون بها مجرد أداة لإبقاء الناس في العراء، ينتظرون معجزة لن تأتي، بينما الذين تاجروا بدمهم لا يعرفون الخيمة إلا كصورة دعائية، ولا يعرفون الأرض إلا كمنصة لإنتاج خطاب جديد من الوهم.
الحقيقة أن منطق صفا ليس منطق مقاومة، بل منطق ابتزاز وتشبيح موصوف. هو يقول للبنانيين بوضوح: إمّا أن تقبلوا بسلاحنا وروايتنا وقرارنا، أو سنتهمكم بأنكم أدوات فتنة. إمّا أن تصمتوا على اختطاف الدولة، أو تصبحوا شركاء في "المؤامرة". وهذه ليست لغة رجال التحرر، بل لغة من اعتادوا حكم الناس بالترهيب والوعيد.
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات التعبوية التي يلقيها رجال الظل. لبنان يحتاج إلى تحرير نفسه ممن حوّلوا فكرة المقاومة إلى تجارة بالدم والخراب والسيادة المصادرة. أما وفيق صفا، فمهما حاول أن يرتدي عباءة "الرجل الصلب"، يبقى في شخصه مرآة مرحلة من الانحطاط السياسي والأخلاقي، مرحلة صار فيها المهرّب ينظّر للدولة، وصار المتهم بالتعدي على الدولة يطالب الناس بالثقة، وصار الخراب يُباع على أنه بطولة.
هذا ليس صمودًا. هذا مشروع إجرامي يتكلم لغة الانتصار لأنه عاجز عن الاعتراف بأنه سبب الهزيمة الجوهري.


