في أزقة أصيلة القديمة، كانت جولاتي الصيفية منذ مطلع عقد الثمانينات، وعلى مدى العقود الموالية، تبدأ من الجداريات الفنية. فكانت ازقة المدينة مسارح مفتوحة للفن، تُفاجؤني في كل زاوية بلوحة جديدة. كنت أسير بمتعة بين تلك الدروب وكأنني أتنقل داخل معرض حي، تُحاكي فيه الجداريات روح المكان وتاريخه.
وكانت الجداريات، مع كل صيف ، أشبه بجرس انطلاق لفعاليات الموسم الثقافي.كانت المدينة تشرق على إيقاع ابداع منظم، فنانون يشتغلون في مواقع محددة، وتحت إشراف فني يضمن الانسجام بين الأعمال والفضاء.
كان الابداع لحظة جماعية تُعيد تشكيل المدينة، وتمنحها نفساً جديداً دون أن تفقد هويتها. كان لكل جدارية معنى، ولكل جدار دور في هذه السيمفونية البصرية المتقنة.

إحدى جداريات أصيلة السابقة
شكلت مدينة اصيلة على مدى قرابة نصف قرن مشروعاً ثقافياً متكاملاً، نجح في أن يحوّل الفضاء العام إلى لغة فنية راقية، تعكس هوية المدينة وتُعبّر عن روحها من خلال تجربة استثنائية جعلت من الجداريات الفنية جزءاً من رؤية شاملة ومنضبطة.
غير أن ما تعرفه المدينة اليوم يثير القلق فعلا. فقد بدأ الرسم على الجداريات يتكاثر بشكل عشوائي، خارج أي إطار فني واضح أو تصور جمالي منسجم او تأطير فني. جدران تُلوَّن هنا وهناك، دون احترام للهوية البصرية التي تميّزت بها أصيلة لعقود، ودون مراعاة للتوازن بين الرسم والذوق والفضاء العام. ومع هذا الانتشار غير المؤطر، تحولت الجداريات من عنصر إبداعي إلى مصدر تشويش بصري يُفقد المدينة أحد أهم أسرار سحرها.
فالجداريات التي كانت يوماً رمزاً للانضباط الفني، أصبحت اليوم عنوانا للفوضى نتيجة غياب التنظيم. فالرسم في الفضاء العام لا يمكن أن يُترك للاجتهادات الفردية، بل يحتاج إلى قواعد واضحة، تماماً كما يحتاج التعمير إلى قوانين تضبط البناء وتحفظ الانسجام العام. حين تغيب هذه القواعد، تتحول المبادرة الفردية إلى فوضى، ويضيع الحد الفاصل بين الإبداع والتشويه.
من هنا، تبرز مسؤولية المجلس البلدي والسلطات المحلية، ليس فقط كجهات تدبيرية، بل كضامن لذاكرة المدينة وهويتها. الحفاظ على جمالية أصيلة يجب أن يُعامل كجزء من سياسة المدينة، وأن يُدار بنفس الصرامة التي تُدار بها قوانين التعمير. فكما لا يُسمح ببناء عشوائي يخلّ بتوازن المدينة، لا ينبغي أيضاً السماح برسوم غير مدروسة تُربك انسجامها البصري في الفضاء العام.
ويتطلب ذلك وضع إطار تنظيمي واضح للجداريات، يُحدد معاييرها، ويخضعها لإشراف فني مختص، ويضمن ارتباطها بمشاريع ثقافية مؤطرة، كما هو الحال في تجربة موسم أصيلة.
غير أن هذا الدور المحلي يتطلب تعزيزه بمبادرات وطنية. فالحفاظ على إرث أصيلة الثقافي يستدعي أيضاً دعما من وزارة الثقافة، باعتبارها الجهة الوصية على حماية الإرث الفني الوطني. ويمكن للوزارة أن تضطلع بدور بناء من خلال وضع إطار وطني لتنظيم الفن في الفضاء العام، ودعم برامج التأهيل البصري للمدن ذات الحمولة الثقافية.
أصيلة اليوم أمام مفترق طرق، إما أن تحافظ على هويتها كمدينة للفن والذوق المنضبط. أو أن تنزلق نحو الفوضى والتشوه البصري.


