من ادعاء «الانتصار الاستراتيجي» إلى حقيقة الأزمة الأمنية
إن الخطاب الأخير لملا إسماعيل خطيب، وزير مخابرات النظام، بتاريخ 22 تشرين الثاني (نوفمبر) في محافظة كهكيلويه وبوير أحمد (جنوب غرب إيران)، حول نتائج «حرب الـ 12 يوماً» (يونيو 2025)، وادعائه بـ «الانتصار الاستراتيجي لإيران» و«الاتحاد المقدس»، كان في ظاهره بياناً دفاعياً لرفع معنويات القوات الداخلية؛ لكنه، في التحليل العميق، يشير إلى بداية أزمة أمنية-سياسية ثلاثية الأقطاب ونقطة ذروة الضعف الاستخباراتي للنظام.
تستند هذه المقالة، من خلال تحليل تصريحات وزير الاستخبارات وتوظيفها مع التقارير الدولية حول تدمير المراكز النووية، إلى أن حرب الـ 12 يوماً لم تجلب معها فشلاً استخباراتياً غير مسبوق للنظام فحسب، بل أدت أيضاً إلى حرب سلطة أمنية غير مسبوقة كانت نتيجتها العملية هي المحاولة اليائسة للنظام لتنظيف وإخفاء أدلة الأنشطة النووية التسلحية.
أزمة الرواية وقلب الحقائق
يُظهر فحص محتوى خطاب خطيب أن هذه الرواية هي عبارة عن قلب كامل للحقائق، وتستهدف بدقة المحاور التي تعرض فيها النظام لأكبر قدر من الضرر:
إنكار الفشل الأمني: ادعى خطيب وجود «إشراف استخباراتي عالٍ» و«نفوذ إيراني واسع في هيكل إسرائيل»، في حين تشير وثائق متعددة إلى: مقتل قادة رفيعي المستوى، استهداف البنى التحتية الصاروخية والنووية بدقة عالية، والأهم من ذلك: تسريب معلومات العمليات الإيرانية قبل تنفيذها.
تضخيم وهم الأمن: يتم طرح ادعاءات «الوحدة الوطنية» و«الشعبية العالمية» و«اللطف الإلهي» في ظروف يعاني فيها المجتمع من أشد الانقسامات الاجتماعية وعدم الرضا المعيشي. هذا الحجم من إنكار الواقع ليس تقريراً أمنياً، بل هو «عملية نفسية لإعادة البناء الذهني» لتغطية عمق الهزيمة.
حرب السلطة ونقطة التحول في نقل ملف التغلغل
إن النقطة المفتاحية لفهم معنى تصريحات خطيب هو تزامنها مع تغيير هيكلي غير مسبوق: نقل ملف اكتشاف التغلغل والأمن الداخلي إلى المجلس الأعلى للأمن القومي (بأمانة علي لاريجاني). هذا القرار يعني عملياً تصويتاً بحجب الثقة عن فريق مجتبى خامنئي، وشبكة حسين طائب، ومنظمة استخبارات الحرس الثوري (ساس)، وبيت المرشد.
تشكيل أقطاب أمنية ثلاثية: أدى نقل السلطة هذا إلى تقسيم الهيكل الأمني للبلاد إلى هيكل ثلاثي الأقطاب وغير متوازن: البيت–الحرس الثوري (طائب)، وزارة الاستخبارات (خطيب)، والمجلس الأعلى للأمن القومي (الحكم الجديد بأمانة علي لاريجاني).
إعلان وزارة الاستخبارات عن مطالبها: كان خطاب خطيب رد فعل دفاعي. لقد حاول، من خلال تضخيم قدرة وزارة الاستخبارات وتشكيكه في أداء فريق طائب، إعادة إحياء المكانة المفقودة للوزارة وتثبيت نفسه كقوة رئيسية لإدارة الأمن في الهيكل الجديد، وإضعاف منافسيه الداخليين بشكل غير مباشر.
التغلغل الموجَّه؛ عامل تصعيد الأزمة
يُظهر التحليل الدقيق لتصريحات خطيب أدلة على «القلب الموجَّه للحقائق»، الأمر الذي يمكن أن يكون علامة على تغلغل نشط في الهيكل الأمني للنظام. التغلغل الموجَّه يعني حقن تحليلات خاطئة في هيكل صنع القرار لتحويل انتباه الجهاز الأمني عن التهديد الحقيقي:
التحويل الذهني: إن المبالغة في تضخيم النفوذ الإيراني في إسرائيل، بعد الكشف عن النفوذ الإسرائيلي الواسع في إيران مباشرة، هو تكتيك تقليدي لتحويل الرأي العام والجهاز الأمني عن القضية الأساسية.
خلق وهم الأمن: عندما يصف خطيب الهزيمة بـ «الانتصار» ويقدم الانقسام الداخلي على أنه «اتحاد مقدس»، فإنه يوفر عملياً «بيئة آمنة» للمتغلغلين غير المكشوفين للخروج من أولويات الجهاز الأمني والحصول على متنفس.
التنظيف المادي والإخفاء النووي
النتيجة العملية لهذا الفشل الأمني في حرب الـ 12 يوماً هي المحاولة اليائسة لمحو الأدلة في أكثر المراكز حساسية للنظام:
التدمير المتعمد لـ «سپند»: يشير تقرير معهد العلوم والأمن الدولي (ISIS)، بناءً على صور الأقمار الصناعية، إلى أن النظام الإيراني بدأ بعد خمسة أشهر من الحرب عملية تنظيف وتدمير واسعة النطاق في المقر الجديد لـ منظمة الأبحاث والابتكار الدفاعي (سپند) (المسؤولة عن تسليح البرنامج النووي) الواقع في شارع فخري زاده بطهران.
محاولة إخفاء الأدلة: إن عملية التدمير هذه (التي تشمل إزالة الأسقف والطوابق العليا وجمع معدات التبريد)، ليست مجرد إعادة بناء، بل هي محاولة طارئة لإنقاذ المعدات القابلة للاستخدام وتطهير الأدلة المحتملة للأنشطة النووية التسلحية غير المعلنة.
هذا الإخفاء الطارئ يثبت مدى دقة وفعالية الهجمات خلال حرب الـ 12 يوماً، وعمق الفشل الاستخباراتي الذي أجبر المسؤولين على تنفيذ عملية التنظيف السرية هذه.
الخاتمة
كشفت حرب الـ 12 يوماً عن نقاط ضعف النظام الأمنية ليس في ساحة المعركة، بل على المستوى الهيكلي والاستخباراتي. وتدل تصريحات وزير الاستخبارات، بهدف استعادة السلطة من الحرس الثوري وخامنئي الصغير (مجتبى نجل خامنئي)، على شدة الصراع الداخلي. إن الجمع بين أزمة الرواية الداخلية، وحرب السلطة الأمنية، والإخفاء النووي (سپند)، يشير إلى الفرصة الأكبر على الإطلاق للانهيار الأمني للنظام خلال العقدين الماضيين.


