في كل رحلة إلى دولة من دولنا أغوص عميقًا في أوجاع المجتمع، باحثًا عن أصل الداء لا عن أعراضه.
ومهما بدت مشكلاتنا متعددة، إلا أنني أصل دائمًا إلى الثالوث الخبيث: الطبقية، غياب المساواة، والمحسوبية المبررة للفساد.
هذا الثالوث ليس مجرد خللٍ اجتماعي، بل هو العدو الأكبر لأي مشروع دولة مدنية أو ديمقراطية.
والكارثة الحقيقية ليست في هذا الثالوث بحد ذاته؛ بل في المنبع الذي يستمد منه شرعيته.
ومن المؤسف أن نرى أهم ركائز العدل في كثير من بلداننا، ألا وهي: الدين، والعشيرة، أصبحتا تشرعان للظلم وتقتلان مبدأ العدل.
وهنا تكمن المأساة الكبرى والجانب الأكثر مرارة: فما كان يُفترض به أن يكون منبعًا للعدل والمساواة، تحوّل في الواقع ليصبح المشرّع الخفي لغياب العدالة.
هكذا توغّلت العشائرية في نسيج المجتمع كمرضٍ معدٍ، أصاب الجميع: فتمرض المثقف قبل الجاهل، والمدينة كما الريف.
لم يعد معيار ميزان العدل يسأل: من هو صاحب الحق؟
بل: من هو ابن عشيرتي؟
وتحوّل المثل الشهير إلى قاعدة سياسية اجتماعية لها صفة القدسية:
"أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب."
هذا المثل لا يترك مجالًا للتفكير في الحق أو الباطل، ولا يحسب حسابًا لكون صاحب الحق هو القريب أم الغريب. هذه الفلسفة الإقصائية وحدها كفيلة بتشويه وتدمير مفهوم العدالة المجتمعية بالكامل، وهذا بالضبط ما تجلّى بأوضح صورة في الانتخابات التي أُجريت مؤخرًا في العراق وكثير من الدول العربية وصولًا إلى أفغانستان وغيرها، إذ أصبح التصويت واجبًا عشائريًا مذهبيًا لا علاقة له بالوطنية.
لقد تمكن المفهوم العشائري من اختطاف العملية الديمقراطية برمتها؛ حيث يقوم هذا الولاء الضيق بقتل مفهوم انتخاب الأصلح والأكفأ، ويتحول الاختيار الوطني إلى مجرد فرز أصوات للعائلة والقبيلة، أي عائلة أكبر ومن قام بمنح فريقه أموالًا لا يهم من أي مصدر جاءت، حلال أم حرام، لا يهم، الولاءات فوق كل شيء.
وبذلك، تم استبدال الكفاءة بالعلاقة، والأصلح بالأقرب، وأصبحت صناديق الاقتراع أداة لترسيخ حكم الغيتو بدلًا من أن تكون جسرًا نحو الدولة المدنية.
وفي مقابل ذلك، تحوّل الدين الحنيف من منبع للعدل والإصلاح إلى أداة لتشريع القصور والظلم، بعد أن تمت ترجمة نصوصه وفق أهواء العشيرة وبعض رجال الدين، وفي كثير من الأحيان يكونون من أبناء العشيرة ذاتها ومن المقربين من الشيخ والسلطة.
بهذا التشويه، يتقلص الدين ويتقزم ليختصر كله في قاعدة واحدة: أنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا.
والويل لمن يتجرأ ليقول إن المعنى الأصلي لهذا القول هو: أن تكف يد أخيك إذا كان ظالمًا، وتعينه على استعادة حقه لو كان مظلومًا، ذلك هو الانتصار الحقيقي.
هنا يأتي الرد الجاهز والحاسم: "وهل تفهم أنت أكثر من الشيخ؟" وهكذا، تتغلب مبادئ العشيرة وتُكرّس سطوتها على الشريعة، لكن للأسف، باسم الدين. ويبقى المظلوم الوحيد يدافع عن مظلوميته لوحده أمام عشيرة، هذا الأمر الذي تسبب بأن يبحث كل إنسان عن عشيرة ينتمي إليها، وهكذا قُتل مفهوم المساواة في التعامل.
ولكي أوضح لكم حجم الكارثة التي أتحدث عنها، دعوني أنقل لكم حكاية رواها لي صديق، وهو قاضٍ في محكمة الاستئناف في بغداد.
أخبرني هذا الصديق بحزن شديد أنه قرر الانتقال إلى إقليم كردستان. وعندما سألته عن سبب هذا القرار الذي يبدو غريبًا وفقًا لعنوانه الوظيفي وأنه قد سكن قرابة العقدين من الزمن في بغداد، قال لي متوجسًا: لي ثلاثة أولاد، وحالهم حال الشباب يسوقون السيارة طيلة الوقت.
ولما رأى أنني لم أستوعب المقصود، أضاف قائلًا:
"أخاف من حادثة تجعلني مضطرًا، أنا القاضي، للجلوس في مجالس فصل عشائري سخيفة تُدار بسطوة المال وشيوخ لا يعترفون إلا بالعشيرة والقبيلة."
إنَّ خطورة هذا الكلام لا تكمن في خوف رجلٍ واحد، بل في أن قاضيًا بات يخشى أن يصبح نفسه ضحية نظامٍ موازٍ للقانون، نظامٍ لا يعترف إلا بالعشيرة، ولا يهاب إلا قوتها، ولا يحترم إلا من ينتمي إليها، أمر يثبت أن هذه المفاهيم قتلت المدرسة والجامع، وقتلت المحكمة والجامعة مع كل المدارس الأخلاقية.
العدالة في بلداننا لا تُقتل بالرصاص، بل بالتطبيع مع الظلم.
وما لم نواجه الحقيقة، بشجاعة رواندا بعد مجزرتها، فسنظل نكرر ذات الأخطاء، ونورثها لأبنائنا.
إنَّ العدل لا يحتاج إلى عشيرة تحميه، ولا إلى شيخ يباركه، بل إلى مجتمع وإنسان يؤمن بأن الحق حق… ويدافع عن حق عدوه مثلما يدافع عن حقوقه.

