: آخر تحديث

مفهوم الثقافة السياسية

2
3
2
مواضيع ذات صلة

يعد مفهوم "الثقافة السياسية" من المفاهيم الحديثة نسبيا في علم السياسية، إذ ان ظهوره يرجع الى عام 1956م عندما استخدمه الأستاذ الأمريكي "جابريل الموند" كبعد من ابعاد تحليل النظام السياسي. فكل نظام سياسي حسب رأي "الموند": "يترسخ حول أنماط محددة من التوجهات التي تضبط التفاعلات التي يتضمنها النظام الاجتماعي، وبالمثل تكون الثقافة السياسية بمثابة التنظيم غير المتقن للتفاعلات السياسية". ومن بين التعريفات المختلفة التي أوردها دارسو السياسة المقارنة للثقافة السياسية ذلك الذي يصفها بأنها: "منظومة القيم والأفكار والمعتقدات المرتبطة بظاهرة السلطة في المجتمع"، وتمثل الثقافة السياسية محصلة تفاعل الخبرة التاريخية مع الوضع الجغرافي والمعتقدات الدينية والظروف الاقتصادية والاجتماعية. وتعد الدراسة التي قام بها "الموند وفيربا" في كتابهما "الثقافة المدنية" من اهم الدراسات التي تناولت مفهوم "الثقافة السياسية" بالتحليل من الناحية النظرية، فقد استخدما التحليل النفسي لتحديد توجهات الأفراد الأساسية حيال أربعة موضوعات، هي:

(1) النظام السياسي بصفة عامة. (2) النشاط السياسي للمواطنين مثل الترشح والانتخاب. (3) النشاط الحكومي، مثل تنظيم الأفراد ورعاية مصالحهم وتقديم المساعدات الاقتصادية لهم. (4) تصور الأفراد ذواتهم كمشاركين في العلمية السياسية.

ومن خلال المزج بين هذه الموضوعات الأربعة يمكن رصد ثلاثة أنواع من الثقافات السياسية هي:

• الثقافة السياسية الضيقة: تسود هذه الثقافة مجتمعا ما إذا كان افراده لا يملكون حدا ادني من المعرفة او القدرة او الرغبة في اصدار احكام تجاه الموضوعات الأربعة المذكورة، بحيث يقتصر الفرد على تلقي مخرجات السياسي والامتثال له وهو صاغر، لأنه لا يعرف بدائل أخرى وإن كان يعرفها فهو عاجز او غير راغب في ان يتحرك لطرحها، وعلى هذا تكون المبادرة ذاتها من النخبة الحاكمة.

• الثقافة السياسية التابعة: تتجسد هذه الثقافة في المجتمعات التي تعاني من تواضع إسهام المواطنين في المدخلات السياسية برغم معرفتهم التامة بالنظام السياسي ومخرجاته وقواعد اللعبة السياسية، وينبع عزوف المواطنين عن المشاركة السياسية من ادراكهم عدم جدواها، وقد ربط كل من "الموندوفيربا" هذا النوع من الثقافة السياسية بالحكومات التسلطية التي تضيق هامش الحريات على شعوبها.

• الثقافة السياسية المشاركة: هذا النمط يرتبط بمعرفة الجماهير ووعيها بالنظام السياسي في حركته وقواعده ومؤسساته ودور الأفراد فيه كمشاركين. ويسود هذا النمط من الثقافة السياسية في المجتمعات الديمقراطية التي يكون للرأي العام فيها دور مؤثر سواء من خلال المؤسسات التي تعبر عنه مثل الأحزاب السياسية وجماعات الضغط، او من خلال إجراءات التصويت والترشح في الانتخابات، واستطلاع الرأي والندوات السياسية والثقافية والفكرية.

ووفقا للتصنيف الذي وضعه "الموند وفيربا"، تصنف الثقافة السياسية العربية على انها ثقافة ضيقة، فالمشاركة السياسية في غالبية البلدان العربية تتصف بالشكلية والموسمية وعدم الفاعلية، إذ ان القرارات السياسية عادة ما تتخذ من النخب الحاكمة، وتترك للجماهير العربية مهمة إضفاء الشرعية الصورية عليها من خلال انتخابات معروفة النتائج مسبقا. كما ان ظاهرة المرشح الواحد مترسخة في الواقع العربي حتى في إطار النظم التي تأخد بالتعددية الحزبية. وتوصف المشاركة السياسية في البلدان العربية بأنها مشاركة متقطعة لا تتخذ شكلا منتظما، وأنها ترتبط اكثر بعملية التعبئة الاجتماعية الجماهيرية اثناء الأزمات، بحيث يعود المواطن بعدها الى سلبيته وخاصة مع تواضع دور المعارضة.

ولا تقتصر ظاهرة السلبية السياسية في الوطن العربي على جماعة بذاتها، فهي تنتشر بين الأغنياء والفقراء، والمتعلمين وغير المتعلمين، بحيث يظل الفارق بين مجتمع وآخر او بين شريحة اجتماعية وأخرى فارقا في الدرجة لا في النوع. ويرجع إخفاق النظم السياسية العربية في توسيع قاعدة المشاركة السياسية وتحقيق الديمقراطية الى مجموعة معقدة من العوامل السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية مثل: التفاوت الحاد في توزيع الدخول والثروات، وانتشار الأمية التي تقدر بين 50 الى 60 بالمائة، وبالتالي انخفاض الوعي السياسي والفكري، وضعف المشاركة الاجتماعية، وتقلص الطبقة الوسطى.     


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي