لم تبدأ أزمة سبتة عند السياج الحدودي، ولا عندما اندفع آلاف المهاجرين نحو البحر ومعبر تراخال في يومي 30 و31 يوليو (تموز) الماضي. لقد بدأت قبل ذلك بأسابيع على شاشات الهواتف، داخل مجموعات مغلقة، ومن خلال مقاطع قصيرة حملت وعوداً بالعبور ومعلومات عن الطرق والمواعيد ووسائل النقل ونقاط التجمع.
هذا هو الاستنتاج الأهم في التحقيق الذي نشرته صحيفة «لا راثون» الإسبانية، استناداً إلى دراسة من نحو سبعين صفحة أعدّها المحلل الإسباني المتخصص في الأمن والاستخبارات والإرهاب الدولي تشيما خيل، بطلب من مؤسسات إسبانية. فقد تتبع التحقيق النشاط المسجل بين يونيو (حزيران) الماضي والأول من أغسطس (آب) الحالي عبر «فيسبوك» و«تيك توك» و«إنستغرام» و«إكس» ومجموعات «واتساب»، ووثق ما وصفه بمنظومة رقمية عابرة للحدود أسهمت في التعبئة وتداول المعلومات والتنسيق الميداني.
وفقاً لهذه المعطيات، حققت المحتويات المتداولة أكثر من أحد عشر مليون أثر رقمي محتمل، يشمل المشاهدات والتعليقات والتفاعلات وأعضاء المجموعات. وكانت المنصات المفتوحة تؤدي وظيفة الدعاية والحشد، بينما تحولت بعض مجموعات «واتساب» إلى ما يشبه غرفاً صغيرة للعمليات اللوجستية، تتبادل فيها المعلومات حول وسائل النقل وساعات التحرك ومسارات الوصول إلى محيط حاجز تراخال.
وعلى مستوى المسؤولية الخارجية، يرصد التقرير مجموعات على «واتساب» أدارها مستخدمون لأرقام تحمل المفتاح الدولي للجزائر، وحسابات نشطت منه إلى جانب حسابات في تونس وفرنسا والولايات المتحدة والمغرب. ويقول إن بعض تلك المجموعات لم تكتفِ بتداول خطاب عام عن الهجرة، بل نشرت معلومات عملية عن الطرق والمواصلات والمواعيد ونقاط التجمع.
التعامل المهني مع هذه المعلومات يقتضي التمييز بين رصد نشاط رقمي صادر من الجزائر أو أي دولة أخرى وبين إثبات مسؤولية أطراف محددة في هذه الدول. فالمفتاح الدولي للهاتف يحدد بلد تسجيل الشريحة، لكنه لا يكشف وحده هوية مستخدمها أو الجهة التي تدير نشاطه. كما أن الحساب الذي يبدو ناشطاً من دولة معينة قد يكون في يد فرد أو شبكة تهريب أو جماعة سياسية، وقد يُدار عبر وسائل تقنية تخفي موقعه الحقيقي.
والتقرير نفسه يتحفظ عند هذه النقطة؛ فهو لا ينسب قيادة الحملة بصورة نهائية إلى حكومة أو جهاز رسمي، ولا يثبت الهوية المدنية لعدد من مديري الحسابات والمجموعات. وهذه ليست ملاحظة هامشية، لأن توجيه اتهام مباشر إلى دولة يتطلب أدلة تقنية وقضائية أكثر صلابة، تشمل بيانات تسجيل الحسابات، ومواقع تشغيلها، ومصادر تمويلها، والروابط بين مديريها، وطبيعة التعليمات التي تلقوها.
في أي حال، تصاعدت التعبئة الرقمية للمهاجرين بعد نشر قرار المحكمة العليا الإسبانية الذي أكد عدم جواز الإعادة الفورية للأشخاص الذين يحاولون دخول سبتة ومليلية سباحة. هنا تحولت قاعدة قانونية دقيقة، تتصل بحقوق المهاجرين وإجراءات التعامل معهم، إلى رسالة مبسطة ومضللة مفادها أن طريق البحر أصبح مفتوحاً. وبين النص القضائي والرسالة المنتشرة على الهاتف نشأت مساحة واسعة للتلاعب بآمال آلاف الشباب.
لكن إرجاع أزمة سبتة كلها إلى التدخل الخارجي سيكون بدوره اختزالاً غير مقنع. فالحملة الرقمية، مهما بلغت قوتها، لم تصنع من العدم الفقر والبطالة واليأس والرغبة في الهجرة. كما أنها لا تعفي السلطات المغربية والإسبانية من مراجعة الثغرات الأمنية وسوء تقدير حجم التعبئة، ولا تستبعد دور شبكات التهريب والأطراف المحلية التي ربما وجدت في الإشاعة فرصة لتحقيق أرباح أو تصفية حسابات.
القضية إذن ليست اختياراً بين تفسيرين متعارضين: أزمة اجتماعية عفوية أو مؤامرة خارجية كاملة. الأرجح أننا أمام تداخل بين أسباب اجتماعية حقيقية وشبكات تهريب وثغرة قانونية جرى تحريف معناها، ثم منظومة رقمية عابرة للحدود عملت على تضخيم هذه العناصر وتحويلها إلى حركة جماعية متزامنة.
والضحايا في النهاية ليسوا حراس الحدود ولا الحكومات وحدها، بل المهاجرون أنفسهم. فالشاب الذي يُدفع إلى البحر بناءً على مقطع مجهول المصدر أو وعد كاذب ليس جندياً في معركة سياسية، بل إنسان جرى استغلال يأسه وتحويله إلى أداة. وقد خلفت الأزمة قتلى ومفقودين ومشهداً إنسانياً قاسياً، بينما بقي المحرضون خلف الشاشات بعيدين عن الخطر والمحاسبة...
وينبغي لإسبانيا والمغرب الانتقال من حراسة السياج وحده إلى مراقبة المجال المعلوماتي المحيط به، عبر آلية مشتركة للإنذار المبكر تتابع المحتوى متعدد اللغات، وتصحح سريعاً التأويلات المغلوطة للقرارات القانونية، وتحفظ الأدلة الرقمية، وتتواصل مع المنصات لإيقاف الحسابات التي تنشر تعليمات تعرّض حياة الناس للخطر.
ولا تستطيع شركات التكنولوجيا الاختباء وراء حيادها عندما تتحول خدماتها من فضاء للتعبير إلى بنية للتنسيق الميداني. فحرية التعبير لا تشمل نشر خرائط العبور الخطرة، وتحديد نقاط التجمع، وإغراء الشباب بمعلومات مضللة يمكن أن تقودهم إلى الموت.
إن أخطر ما تكشفه أزمة سبتة هو انتقال خلافات المغرب العربي من البيانات السياسية والحدود المغلقة إلى الهواتف والخوارزميات.
لقد دخلت المنطقة زمناً لا تبدأ فيه الأزمات عند الحدود، بل داخل غرفة دردشة. وما جرى في سبتة إنذار بأن حماية السيادة لم تعد تعني فقط نشر الجنود وأجهزة المراقبة، وإنما أيضاً كشف التدخل الخارجي، وحماية الشباب من التضليل، ومنع تحويل الفقر واليأس والرغبة في الهجرة إلى ذخيرة في صراع سياسي.

