كنا قبل سنوات ننتظر الإجازة لنجهز السيارة، ونرسم الطريق على الخريطة، ثم ننطلق بين مدن المملكة وقراها، نستمتع بكل محطة، ونعيش تغير المشهد مع كل مئات الكيلومترات.. تبدأ الرحلة من حرارة الصيف في منطقة، ثم تستقبلنا أجواء أكثر اعتدالاً في منطقة أخرى.. وتتبدل الجبال إلى سهول، والوديان إلى شواطئ، والصحارى إلى غابات، حتى أصبحت الطريق نفسها جزءاً من متعة السفر، وتحولت الرحلة إلى ذاكرة مشتركة بين أفراد الأسرة.
واليوم تعود السياحة الداخلية بصورة أكثر اتساعاً ونضجاً.. مدن المملكة تعيش حراكاً كبيراً، وكل مدينة تقدم شخصيتها الخاصة وتجربتها المختلفة، هنا فعاليات ثقافية، وهناك مواقع تاريخية، وفي مدينة أخرى حدائق مفتوحة، وواجهات بحرية، وممرات للمشاة، ومقاهٍ ومطاعم، وأسواق، وتجارب ترفيهية تناسب جميع أفراد الأسرة، هذا التنوع صنع خيارات واسعة، وجعل كل رحلة تحمل تجربة جديدة، حتى وإن تكررت زيارة المدينة نفسها أكثر من مرة.
ومن الجميل أن المملكة تمتلك تنوعاً جغرافياً ومناخياً واسعاً يصعب أن تجتمع عناصره في كثير من الدول، فمن قمم عسير والباحة والطائف، إلى شواطئ البحر الأحمر والخليج العربي، ومن صحارى الشمال والوسط، إلى الواحات والمزارع والقرى التراثية، تتشكل لوحة طبيعية متجددة على مدار العام، هذا التنوع يمنح السائح فرصة لاكتشاف وطنه بصورة أعمق، ويصنع ارتباطاً أكبر بالمكان، ويعزز معرفة الأجيال بتاريخ المناطق وثقافاتها وعاداتها ومنتجاتها.
والسياحة الداخلية أيضاً تمثل قيمة اقتصادية كبيرة، لأنها تعيد تدوير الإنفاق داخل الاقتصاد، وتدعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وترفع الطلب على الفنادق والشقق المخدومة والمقاهي والمطاعم والأنشطة الترفيهية والمتاجر المحلية، وتفتح فرصاً جديدة للأسر المنتجة والحرفيين والمرشدين السياحيين، وكل رحلة يقوم بها السائح داخل المملكة تتحول إلى سلسلة من المنافع تمتد إلى قطاعات عدة.
ومن اللافت أن المملكة حققت مستهدف استقبال 100 مليون سائح وزائر قبل الموعد المحدد، ثم رفعت سقف الطموح إلى استهداف 150 مليون سائح بحلول عام 2030، وهو مؤشر يعكس الثقة في قدرات القطاع السياحي، وحجم الفرص التي أصبحت متاحة في مختلف المناطق.. إذ تشير البيانات إلى أن السياحة الداخلية تمثل ما بين 60 % و65 % من إجمالي النشاط السياحي في المملكة، وهو ما يؤكد أن السائح شريك في نمو هذا القطاع، ومحركاً دائماً لحركته على مدار العام.
وباعتقادي أن أجمل استثمار يمكن أن يقوم به الإنسان أحياناً هو أن يمنح نفسه فرصة لاكتشاف وطنه، رحلة نهاية أسبوع إلى مدينة قريبة، أو إجازة قصيرة بين الجبال، أو أيام على الساحل، أو زيارة لمحافظة تحمل طابعاً مختلفاً، جميعها تصنع ذكريات، وتمنح العائلة وقتاً مشتركاً وتزيد ارتباط الإنسان بأرضه.

