محمد سليمان العنقري
يقول ابن خلدون الناس في السكينة سواسية، فإذا جاءت المحن تباينوا. وفي حرب اميركا واسرائيل على ايران ظهر خلل كبير جداً تمثل في ظهور التشوهات بمفهوم الامن القومي العربي من خلال مواقف دول وشعوب عربية لم تتخذ موقفا واضحا أو رافضا لما قامت به إيران من اعتداء غاشم على دول الخليج العربي معتقدةً ان ذلك يمثل ورقة ضغط على اميركا كي توقف الحرب ومتذرعة بحجج واهية لم تستطع ان تثبتها وكلها محض افتراء ودجل اعتدنا عليه من ايران التي لها سوابق تخريبية وتدميرية في العالم العربي. فدول الخليج العربي رفضت هذه الحرب ودعمت الحل الدبلوماسي للخلاف الامريكي الايراني وقامت دول خليجية مثل قطر وسلطنة عمان بدور وسيط لسنوات وحتى قبل هذه الحرب محاولةً منها نزع فتيل الأزمة ومع ذلك لم تسلم من اعتداءات إيران عليها.
فأهم ما ظهر بهذه الحرب يبقى الخلل الضخم بل التشوه الهائل في مفهوم الأمن القومي العربي لدى دول عربية من حكومات وشعوب فبعضهم ندد بالاعتداءت على دول الخليج والاردن بعد ايام من بدايتها ومنهم من لم ينطق بحرف واحد اما مواقف الشعوب فلم تختلف كثيراً بل زاد عليها ان بعضهم عبر عن سعادته بتلك الاعتداءت وكأن دول الخليج عدوة لهم لكن ذلك مرجعه ان هناك فهما قاصرا جداً تتحمله حكومات وقادم الرأي بتلك الدول ومعهم جامعة الدول العربية التي كان تعليق أمانتها دون المستوى وتحركاتها ومواقفها لا تعبر أبداً عن ما يجب أن يكون من إدراكها ودورها بمفهوم الأمن القومي العربي الشامل.
فدول الخليج العربي في معادلة الأمن القومي العربي تمثل هي القوة الكبرى فيه، فأكثر من 63 بالمائة من الناتج الاجمالي العربي يأتي من دول الخلبج التي يعمل بها أكثر من 12 مليون مواطن عربي بإقامة دائمة خففوا عبئاً كبيراً على دولهم في توفير فرص عمل لهم بل اصبحوا بتحويلاتهم التي تتعدى سنوياً 30 مليار دولار عاملا مساندا لتنشيط اقتصاد دولهم ويعيلون بالمتوسط أسر مكونة من 5 افراد اي ان اكثر من 60 مليون عربي يستفيد مباشرةً من دول الخليج ما يعادل 9 بالمائة من سكان العالم العربي بينما يستفيد من دورهم بتنمية بلدانهم عدد مماثل حيث يلعبون دوراً كبيراً بتنشيط قطاعات العقار والتجزئة والنقل والخدمات وهي توظف الملايين في الدول التي ينتمون لها أي أن ما لايقل عن 150 مليون مواطن عربي يمثلون 25 بالمائة من سكان العالم العربي يستفيدون من دول الخليج، تشمل العمالة والتجار وأسرهم التي يعيلونها.
اما على صعيد مساعدات دول الخليج العربي للدول العربية فقد قدمت صناديق التنمية الخليجية الحكومية مئات المليارات من الدولارات على مدى خمسة عقود مضت شملت مشاريع تنمية عديدة كالمدارس والحامعات والطرق والمستشفيات ومحطات الكهرباء والمياه وبنى تحتية ومرافق اقتصادية هامة واعانات عاجلة غير مستردة وتمويل مشاريع صغيرة ودعم التنمية الزراعية ودعم عملاتها عبر ودائع ببنوكها المركزية هذا بخلاف الاستثمارات الضخمة من القطاعين العام والخاص بالدول العربية بأموال خليجية تقدر ايضاً بمئات المليارات أما التبادل التجاري فاكبر شريك تجاري لاغلب الدول العربية هي دول الخليج العربي مما يعني ان المتبقي من الناتج الاجمالي لعدد 16 دولة البالغ 37 بالمائة تلعب دول الخليج دوراً كبيراً بتحقيقه والتأثير الكبير فيه.
ادركت دول الخليج اهمية تعزيز أمنها وتعاونها فيما بينها منذ إنشاء مجلس التعاون الخليجي عام 1981 ونجحت باستثماراتها وتعزيزها لقدراتها الدفاعية بإضعاف خطر هجمات ايران التي أرسلت 85 بالمائة من صواريخها ومسيراتها اتجاه دول الخلبج والاردن وتم تدمير جلها بينما هوجمت اسرائيل التي امطرت ايران بالقنابل وقتلت قياداتها بحوالي 15 بالمائة من الصواريخ والمسيرات الايرانية، وهذا ما يظهر نوايا ايران الخبيثة اتجاه العرب، فغياب مفهوم الامن القومي العربي اتجاه عدو يجاهر بعدائه منذ 47 عاماً لاستلامه السلطة بطهران يضع الدول والشعوب التي لم تعي خطورة الضرر الهائل الذي قد يلحق بهم من اعتداءات ايران على دول عربية تعد هي الداعم والمؤثر الاكبر باقتصاداتهم توظيغاً واستثماراً وتجارياً امام حقيقة ان مفهوم القومي العربي لديهم مجرد شعارات لا ترقى لفهم المصالح وقياس العلاقة العميقة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً ومصيرياً التي تربط دولهم بدول الخليج العربي.

