العام الماضي انخفضت العواصف الغبارية في المملكة بنسبة وصلت إلى 50 % مقارنة بالعام الذي سبقه.. كيف يمكن لبيئة صحراوية أن تعيد تشكيل توازنها بهذه السرعة، وما الذي تغيّر في إدارة الغطاء النباتي والموارد الطبيعية ليقود هذا التحسن، وكيف انعكس ذلك على جودة الحياة واستقرار المدن ومستقبل التنمية البيئية؟
هذا التحسن يرتبط بما تحمله مبادرة السعودية الخضراء كل عام من مؤشرات واضحة على حجم التحول البيئي داخل المملكة، حيث تتقدم الأرقام وتتكامل المشروعات لتصنع واقعاً يرتبط بالاستدامة وجودة الحياة، ضمن رؤية تضع الغطاء النباتي في قلب التنمية، وتتعامل مع التحديات البيئية فرصةً لإعادة التوازن الطبيعي وتعزيز استقرار المنظومة البيئية.
خلال الفترة الماضية، وصلت المملكة إلى إعادة تأهيل مليون هكتار من الأراضي المتدهورة وهو رقم يعد انجازاً وطنياً يعكس مدى العمل التراكمي والجهد المبذول الذي بدأ بمساحات محدودة ثم ارتفع تدريجياً حتى وصل إلى هذا المستوى، فضلاً عن أنه يوضح حجم التحول في إدارة الموارد الطبيعية، وقدرة المملكة على التعامل مع تحديات التصحر عبر حلول عملية مرتبطة بالتخطيط والتنفيذ والمتابعة، وتدعم استعادة خصائص الأرض وإعادة توظيفها ضمن منظومة بيئية أكثر توازناً.
ولا تقف المبادرة عند هذا الحد بل وصلت إلى مشروعات التشجير التي سجلت زراعة أكثر من 159 مليون شجرة في مختلف المناطق، وهو ايضاً رقم يعكس توسعاً كبيراً في نطاق العمل البيئي، ويترجم توجهات واضحة نحو زيادة الغطاء النباتي وتحسين جودة الهواء وتعزيز استقرار التربة، إلى جانب دعم الحياة الفطرية وتهيئة بيئات مناسبة لعودة العديد من الكائنات إلى موائلها الطبيعية، وهو ما يظهر في استمرار تكاثر بعض الأنواع واستقرارها ضمن نطاقات جغرافية مختلفة داخل المملكة.
في الجانب الآخر هناك جهود تبذل لتوفير نحو 120 ألف متر مكعب يومياً من المياه لدعم مشروعات التشجير، مع خطط لرفع هذه الكمية إلى 300 ألف متر مكعب، وهذا يعزز استدامة المشروعات ويمنحها قدرة أكبر على التوسع، إلى جانب دور مشروعات حصاد مياه الأمطار واستخدام مياه السدود في دعم نمو النباتات المحلية، بما يعزز التوازن البيئي ويضمن استمرارية الغطاء النباتي في مختلف البيئات.
ومع استمرار هذه الجهود الكبيرة سنلاحظ الأثر في تفاصيل الحياة اليومية من خلال تحسن جودة الهواء واستقرار البيئة المحيطة واتساع المساحات الخضراء في المدن والمناطق، لأن جودة حياتنا ترتبط بشكل كبير بالبيئة كلما كانت بيئتنا أكثر توازناً واستقراراً انعكس ذلك على صحتنا ونشاطنا اليومي وشعورنا العام بالراحة داخل مدننا.

