: آخر تحديث

آمنون

6
6
7

ناهد الأغا

أكتب هذه السطور وأنا في سكون لا يشبهه سكون، لحظة أشعر فيها بأن العالم بأسره قد يرتج، غير أنني في قلب الهدوء، في داخلي، شيء يشبه النبض العميق، نبض اليقين، أتابع الأخبار، والأزمة التي تمر بها دول الخليج.

وهنا في المملكة العربية التي بها أقيم، أقضي وقتي مع أسرتي، أذهب إلى عملي، أتناول القهوة مع صديقات لي، والحمد لله نشعر بالهدوء والاطمئنان.

ذهبت لأداء العمرة في رمضان ومعي أمي الغالية، في الحرم، أشعر أنني في قلب شيء كبير، أكبر من كل المخاوف، وأن كل هذه الوجوه المختلفة تلتقي في شيء واحد: الحاجة إلى الأمان.

جلست ساعات، أتأمل البيت العتيق والناس الذين يطوفون حوله كأن الزمن توقف، أتأمل نفسي التي تجد في هذا المشهد ما لا تجده في أي مشهد آخر، كأنني في حضن لا يُضاهى، هذا البيت الذي يفد إليه الناس من كل فج عميق، يطرحون أوجاعهم على عتباته، ويرفعون أكفهم إلى ربهم، لن يخذل أهله، تنظيم وإدارة حشود عالمية، وخدمات للمعتمرين بأدق التفاصيل، مذهلة والملايين الذين أتوا من كل حدب وصوب آمنين مطمئنين.

خرجت من الحرم بعد العمرة، والروح مختلفة.. إلى جدة، الناس يعيشون، بكل ضجيجهم، بكل فرحهم، بكل بساطتهم، وهذا العيش نفسه هو الأمان، الوجوه مطمئنة، والعيون الواثقة، نفس الابتسامات التي لا تتكلَّف، عائلات تتنزه، وأطفالاً يلعبون، وشباباً يتسامرون، وآباء لا يلتفتون خلفهم ثم عدت إلى حيث أقيم، إلى الرياض الحبيبة، إلى حياة أعرف ملامحها.

في الطريق من المطار إلى البيت، كنت أقرأ العاصمة التي سكنت بها ثلاثون عاماً كما يقرأ المرء كتاباً عزيزاً بعد غياب، حتى الزحام المنظم لا يخلو من روح تشتاق إليه مثلما تركتها، ممتلئة بالحياة، بالأمان، بالناس الذين يعيشون حياتهم الطبيعية، أمن يقرأ في عيونهم في خطواتهم، في أحاديثهم، في العمل الذي لا يتوقف، وفي المجالس التي تستمر أحاديثها، وفي وسائل التواصل التي تعود إلى ضجيجها المعتاد.

عدت إلى حياتي، إلى عملي، إلى تفاصيلي اليومية، عدت إلى الطريق الذي أسلكه كل صباح، إلى حديقتي الصغيرة احتسي قهوتي، وما أكتبه ما هو إلا حقيقة نعيشها، بكل تفاصيلها.

أنا أقيم في وطن آمن، ولله الحمد والشكر على هذه النعمة العظيمة، بفضل الله ثم بقيادة حكيمة.

الأمن هنا، هبة ربانية، سكن أنزله في هذه البلاد منذ أن اختارها لتكون مهبط وحيه، ومهد رسوله، وموطن بيته الحرام، وبعد الله، تأتي القيادة الحكيمة حينما تتخذ قراراً، تشعر أن وراءه إنساناً يفكر فيك، تشعر أن هناك قلباً يخاف عليك، وعيناً تراقب مصلحتك، ويداً تمسك بزمام الأمور لتحميك.

وإذا كانت الحكمة في الأوقات العادية أجمل ما يتصفون به، ففي الأزمات تكون أعظم، وفي هذه الأزمة الأخيرة، أزمة الصواريخ والتحدي الأكبر، رأيت الحكمة السعودية في أبهى صورها.

قيادة تدرس، تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، تعرف متى تشدد ومتى تلين، تعرف متى تردع ومتى تتأنى، وأنا مطمئنة لأنني أقف على أرض لا تهتز، تحت سماء لا تنقشع، وفي قلب وطن لا يخذل أبناءه، ورجال الأمن، جنود الدفاع، أولئك الذين جعلوا أرواحهم دروعاً للوطن، وجعلوا صدورهم حواجز أمام كل ما يريد أن يخترق طمأنينتنا، حراس الأحلام، حراس طفولات الأبناء، وحراس شيخوخة الآباء، وحراس كل لحظة سلام نعيشها.

مر العيد، وهم يحرسون فرحتنا، مر رمضان، وهم يحرسون عبادتنا، لا يبحثون عن شكر، ولا ينتظرون جزاء.

نحن آمنون لأن من يحرسنا من فوق السماء أكبر من كل من يهدد أمننا. نحن آمنون لأن القلوب هنا متصلة بخالقها، والصفوف هنا متحدة خلف قيادتها، والأيدي هنا ممتدة لبعضها.

وفي المقابل، نرى الإنسان السعودي السور الحقيقي لهذه البلاد حين تمر الأزمات، نراه متكاتفاً مع قيادته، واثقاً من قدرتها، متأهباً للدفاع عن ترابه وعرضه، وفي الوقت نفسه يعي أن الأمن نعمة تستحق الشكر، وأن البلاد في حراسة الله أولاً، ثم في حراسة رجالها المخلصين.

كل بقعة من أرض المملكة آمنة، من شمالها إلى جنوبها، من شرقها إلى غربها، يطمئن فيها المقيم كما يطمئن المواطن.

فوالله ما غربت عن وطني الأصلي، إلا لأجد وطنًا آخر لا يغرب عن قلبي.

وأجمل الدعاء أن يحفظكم الله كما حفظتموني، وأن يديم على هذا الوطن نعمة الأمن والأمان والاستقرار، فلا تزول عنه نعمة، ولا تحل به محنة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد