: آخر تحديث

يا حبذا ريح الولد

2
3
3

ليلى أمين السيف

ليست التربية رفاهية فكرية، ولا ترفًا أخلاقيًا نمارسه حين يتّسع الوقت،

بل هي أخطر وأقدس مسؤولية تُسلَّم للإنسان برغبته واختياره.

هي قرارٌ نُعيد اتخاذه كل يوم: كيف نكون حاضرين، وكيف نربّي، وكيف نؤثّر.

من سيملأ عقول أبنائنا؟من سيخاطب أرواحهم؟

ومن سيحتل قلوبهم إن غبنا نحن؟

فالطفل لا يولد صفحةً بيضاء فحسب، بل يولد قابلًا للامتلاء؛

فإن لم نملأه نحن وعيًا ومعنى، ملأه غيرنا فكرًا وهوى،

وربما ملأه العالم بما لا يشبهنا ولا يرحمه.

فالتربية ليست تلقينًا عابرًا، بل صناعة إنسان؛ لأن السبق في الوصول إلى الطفل هو أخطر معارك هذا الزمن..

لم يعد السؤال: ماذا سيتعلّمون؟

بل: من سيصل إليهم أولًا، ومن سيبقى أثره أطول؟

بمعنى آخر، املأ عقل أبنائك، لكن أولًا خاطب أرواحهم واحتل قلوبهم.

فالعقل إن امتلأ بلا روح صار معرفةً باردة، والقلب إن تُرك فارغًا سكنه أول عابر.

فالقيم لا تُبنى بالكلام، بل تُحفر في الذاكرة اليومية.

القيم لا تُلقَّن، بل تُغرس: الصدق، العدل، الرحمة، الأمانة، احترام الآخر.

خلافًا لما يُظن الطفل لا يتربّى على الوصايا والتلقين فقط، بل على التفاصيل الصغيرة التي تتكرر كل يوم؛ فالطفل مرآة صادقة تعكس ما نكونه لا ما نقوله.

يتعلّم مما يراه أمام عينيه، لا مما يُقال له في الخطب. فكن أنت القدوة الحيّة التي يمشي أثرها قبل كلماتها، بالتزامك، وبحسن تعاملك مع من يحيطون بك.

فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قرآنًا يمشي على الأرض، «كان خُلُقه القرآن». كما قيل في وصفه..

والنتيجة أن العقل الذي لا نعلّمه التفكير، يفقد بوصلته سريعًا ويدرّب على التبعية.

والتعليم الحقيقي هو أن نعلّم أبناءنا كيف يفكّرون بمنطقية من غير تحيز.كيف يسألون دون خوف،وكيف يخطئون دون تحطيم.

البيت الذي يحترم السؤال، يربّي عقلًا واثقًا لا تابعًا.

ما لا ننتبه له اليوم، سندفع ثمنه غدًا. كتلقين الطفل أبجديات الدين بدون ممارستها فعليا. فليست القضية فيما يُقال، بل فيما يُعاش، وكيف يُترجَم أمام عين الطفل.

فالدين في التربية إمّا أن يكون أمانًا، أو يتحوّل إلى عبء.

انطلاقًا من ذلك الدين ليس تخويفًا ولا قسوة، بل علاقة حيّة تُبنى على الحب قبل الحكم.

أن يعرف الطفل ربًا رحيمًا قبل أن يعرف العقاب،وأن يفهم أن العبادة أخلاق تُمارَس قبل أن تكون طقوسًا تُؤدّى.

وأن الأخلاق الحقيقية تُختبر حين يغيب الرقيب ويحضُر الضمير.

وحين نعلّم أبناءنا أن الصواب صواب ولو بلا شاهد، حينها نربّي ضميرًا لا يحتاج حارسًا.

بالتوازي مع ماسبق يظهر صدق التربية في العلاقات اليومية بلا تجميل.

كالعلاقات بين الإخوة: عدل بلا مقارنة، واختلاف بلا كسر.

وبين الأزواج: احترام يسبق الحب، وحوار يسبق الغضب.

أما مع الجيران والمختلفين عنّا: سعة صدر لا إقصاء.

ومع الأقلّ حظًا: رحمة بلا مِنّة.

و بلا شك احتواء واحترام وفهم للفروق مع غير الأسوياء وذوي الإعاقة. هنا تُختبَر القيم لا في الكلام، بل في السلوك.

لا خلاف على أن ما لا يُمارَس يوميًا، لا يعيش طويلًا فكل ما سبق ينهار إن بقي نظريًا؛ فالممارسة اليومية هي السحر الحقيقي.

قدوة تُرى، عادة تُكرَّر، تصحيح هادئ لا إهانة، وحضور ثابت لا موسمي.

في المحصلة النهائية التربية الناجحة لا تقوم على طرف واحد، بل على ميزانٍ واعٍ. مع مراعاة أن الأبناء لا يُنشَأؤن بالدلال، ولا بالقسوة،بل بتوازنٍ حيّ بين هذا و ذاك فلا إفراط ولا تفريط.

حبٌّ يُطمئن، وحدودٌ تحمي، وقيمٌ تُزرع، وتعليمٌ يُنضج، ودينٌ يُهذّب، وفكرٌ يُوقِظ، وقلبٌ يُحسِن الاختيار. ومن لا يصنع وعي ابنه اليوم، سيتعامل غدًا مع نتائج لم يخترها.

فمن حيث الواقع إن غبتَ عن بناء ابنك، سيأتي غيرك ويفعل ذلك على هواه، وبقيمه، وبوصلته.

والنتيجة أننا نربّي أبناءنا للزمن الذي لم يأتِ بعد.نربّيهم ليكونوا ثابتين حين تختلّ الموازين، رحماء حين يقسو العالم، وأحرارًا من الداخل حين يكثر الضجيج.

على مهل..

فالقلوب لا تُفتح بالقوة، والأرواح لا تُربّى بالعجلة.

وأجمل تربية هي تلك التي لا تُرى سريعًا، لكنها تظهر حين يكبر الأبناء، فيُشبهون أجمل ما فيك ،ولا يتبرّأون من أسوأ ما فيك. فلا يلومونك لتقصير غير مقصود ولا يحاسبونك بقسوة، لأنك ربّيتهم على العدل لا على الكمال. ولأن ليس كلُّ حبٍّ يُفسَّر نختم مقالتنا بما نثرته إحداهن وهي تُلاعبُ ولدها.

يا حَبَّذا ريحُ الولد

ريحُ الخُزامى في البلد

أهكذا كلُّ ولدٍ

أم لم يَلِدْ مثلي أحد!

** **

- كاتبة يمنية مقيمة بالسويد


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد