: آخر تحديث

المُخاطرة الماكرونية

12
13
11

لم يحدث من قبل في فرنسا أن هزّت الانتخابات الأوروبية المشهد السياسي الداخلي إلى هذا الحدّ. فقد جاء قرار الرئيس إيمانويل ماكرون حلّ الجمعية الوطنية صادماً وغير مسبوق، ليس لخصومه فحسب بل حتى لقطاع واسعٍ من أنصاره ووزرائه، بينهم رئيس الحكومة غابريال أتال، الذي تقول تقارير إعلامية من كواليس الإليزيه إنه حاول ثني رئيسه عن قراره حتى اللحظة الأخيرة، من دون أن يفلح في ذلك.

لقد كانت النتائج مخيبة لمعسكر الرئيس، لكنها كانت متوقعة على نطاق واسع. منذ أشهر عدة، منحت جميع استطلاعات الرأي حزب التجمع الوطني بزعامة جوردان بارديلا أكثر من 30 في المئة من الأصوات، مبتعداً بذلك عن قائمة الأغلبية الرئاسية التي تقودها فاليري هاير بأكثر من 10 نقاط. لكن ماكرون كان ربما ينتظر مفاجأة اللحظة الأخيرة التي لم تأتِ، فقرّر النزول من الشجرة وإعادة خلط الأوراق في مقاربةٍ سياسيةٍ تنطوي على وعود كما تنطوي على مخاطر، ويمكن أن تذهب بالبلاد سريعاً نحو حكم اليمين المتطرّف.

جاء قرار حلّ البرلمان بإعلان فوري عن انتخابات سابقة لأوانها ستُجرى في خلال ثلاثة أسابيع، وهي مدة لا تبدو كافيةً، حيث يجب تقديم الترشيحات يوم 16 حزيران (يونيو) الجاري، وهذا لا يترك إلّا أسبوعاً واحداً للأحزاب لتشكيل تحالفات محتملة وتقديم مرشحيها في 577 دائرة انتخابية. منطقياً، يريد الرئيس أن يحسم قضية الانتخابات قبل الإجازات الصيفية الطويلة، وخصوصاً قبل الألعاب الأولمبية التي ستحتضنها مدينة باريس بداية من 26 تموز (يوليو) المقبل. لكن، يبدو أن هذا التعجيل بالانتخابات ينطوي أيضاً على تعجيز للمعارضة – في أقصى اليمين وأقصى اليسار - التي لن تكون في وضع مريح لدراسة الحملة الانتخابية وتقديم نفسها للجمهور، على الرغم من أن مارين لوبن وجان لوك ميلانشون عبّرا عن استعداد حزبيهما لخوض المعركة، بالتحالفات الحزبية أو فرادى.

لكن، لماذا لم يحلّ الرئيس الفرنسي البرلمان قبل عامٍ، عندما اكتشف عجز أغلبيته البرلمانية عن العمل من دون تأمين أصوات من المعارضة؟ تبدو نتيجة الانتخابات الأوروبية دافعاً لتجديد شرعية يبحث عنها الرئيس، لكن الدافع الأكبر هو بداية المعركة حول رئاسيات 2027، التي تشير أغلب التوقعات إلى أنها يمكن أن تأتي بمارين لوبن رئيسة للجمهورية. يريد ماكرون أن يجمع جبهة واسعةً من يمين الوسط ويسار الوسط في تيار واحد في مواجهة أقصى اليمين، وبالتالي هو بحاجة إلى القاعدة الانتخابية لليمين الديغولي (الجمهوريون)، ويبدو أن قرار الحلّ سيحقق له هذا الفرز المطلوب.

فعلاً، منذ الساعات الأولى، قرّر إيريك سيوتي، رئيس كتلة الديغوليين، المضي في تحالف انتخابي مع اليمين المتطرّف، فواجه معارضةً شديدةً من قيادات الكتلة والحزب والقاعدة الانتخابية. وبذلك، يكون ماكرون قد جذب إليه قطاعاً واسعاً من يمين الوسط. كما ينوي في ظل الاستقطاب الشديد بين أقصى اليسار وأقصى اليمين أن يجذب ما بقي من قاعدة ليسار الوسط والمجموعات التي كانت ضمن الحزب الاشتراكي.

لكن السؤال المطروح اليوم هو: كيف سيكون شكل مجلس النواب بعد الانتخابات المقبلة؟ تشير أغلبية استطلاعات الرأي إلى أن معسكر أقصى اليمين، وأساساً حزب التجمع الوطني بقيادة مارين لوبن، سيضاعف عدد مقاعده، وربما يحصل على أغلبية تؤهّله لتشكيل حكومة تعايش مع الرئيس ماكرون. ويبدو أن قرار الرئيس الفرنسي يصبّ في تعميق التناقضات بشأن برنامج اليمين المتطرّف خلال الحملة الانتخابية، والتي يمكن أن تجعل لوبن تخسر الانتخابات.

أما في حال كسبها الانتخابات، فرهان ماكرون الحالي في هذا السيناريو المتوقع جداً هو: خطوة إلى الوراء، خطوتان إلى الأمام. بمعنى أنه في سياق محاولة درء هزيمة 2027، التي تلوح في الأفق، يتراجع الرئيس تكتيكياً اليوم، من خلال تمهيد الوضع لصعود التجمع الوطني لرئاسة الحكومة ضمن نظام التعايش الذي هو حلّ دستوري تقرّه الجمهورية الخامسة، ولا تكون فيها الحكومة من حزب الرئيس. بالتالي، يضع لوبن وحزبها أمام جميع المشاكل التي تعانيها البلاد، قبل أيامٍ من حدث رياضي كوني مثل الألعاب الأولمبية.

خلال السنوات الثلاث التي تسبق انتخابات 2027، تكون لوبن قد انكشفت سياسياً واقتصادياً أمام الجمهور الفرنسي الذي سيكتشف أن شعارات أقصى اليمين لا تنطبق على الواقع، ولا تختلف كثيراً عن شعارات باقي مكونات الطبقة السياسية، وبالتالي تخسر الانتخابات الرئاسية.

يبدو هذا الرهان وجيهاً من الناحية النظرية، وكذلك من الناحية التاريخية، حيث كانت مآلات حكومات التعايش دائماً في صالح الرئيس، وليست في صالح الحزب الذي يشكّل الحكومة، كما حدث مع حكومة الحزب الاشتراكي التي قادها ليونيل جوسبان في عهد الرئيس الديغولي جاك شيراك بين عامي 1997 و2002، وانتهت بهزيمة جوسبان أمام شيراك في انتخابات عام 2002، وعودة الأغلبية إلى المعسكر الجمهوري.

لكن هذا الرهان ينطوي، في الوقت نفسه، على مخاطرة كبيرة يمكن أن تنقلب على ماكرون ومعسكره، إن نجحت لوبن في قيادة الحكومة، وحققت جزءاً من برنامجها، وبالتالي تقنع الجمهور الفرنسي بأنها الأجدر بأن تكون رئيسةً للبلاد في عام 2027.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.