يحتاج العالم اليوم إلى أكبر قدر من الحكمة والمسؤولية والتعاون، في مرحلة تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته في حماية السلم، وصيانة القانون الدولي، وضمان استقرار الاقتصاد والتجارة والطاقة، وهي مسؤوليات عبرت عنها المملكة بوضوح من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، عبر رؤية تنطلق من السلام والحوار واحترام سيادة الدول، وتؤكد أن الاستقرار الدولي مسؤولية تتطلب عملاً جادًا وإرادة قادرة على تحويل المبادئ والمواثيق إلى واقع يحفظ أمن الشعوب ومصالحها.
وفي كلمة المملكة أمام الجمعية العامة، قدم صاحب السمو الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية تصورًا شاملًا للأمن يتجاوز حدوده السياسية إلى الاقتصاد والطاقة والتجارة الدولية، مؤكدًا ارتباط أمن منطقة الخليج بأمن الطاقة واستمرار سلاسل الإمداد، وهي حقيقة تعكس المكانة الاستراتيجية للمنطقة ودورها في الاقتصاد العالمي، وتجعل استقرارها عنصرًا أساسيًا في حماية مصالح الدول وضمان تدفق الطاقة والسلع ووصولها إلى الأسواق.
وقد أسهمت المملكة في استقرار حركة التجارة الإقليمية والدولية، انطلاقًا من مسؤوليتها ومكانتها الاقتصادية والجغرافية، فيما جاء رفضها فرض رسوم على الملاحة البحرية تأكيدًا لأهمية حماية حرية الملاحة والحفاظ على انسيابية التجارة، فالممرات البحرية ليست طرقًا لعبور السفن لكنها شرايين للاقتصاد العالمي تعتمد عليها الدول في الطاقة والغذاء والسلع والمواد الأساسية، وأي تهديد لها يترك أثره المباشر على الأسواق والشعوب.
وفي قلب المشهد الدولي تبقى القضية الفلسطينية شاهدًا على الحاجة الملحة إلى احترام القانون الدولي، إذ أكدت المملكة أن استمرار معاناة الشعب الفلسطيني وعرقلة وصول المساعدات يمثلان انتهاكًا للقانون الدولي، مجددة موقفها الراسخ تجاه الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وضرورة الوصول إلى سلام عادل يضع حدًا للمعاناة، ويؤسس لاستقرار حقيقي ومستدام في المنطقة.
وتواصل المملكة حضورها الدبلوماسي من خلال العمل على تعزيز مسارات الحلول السلمية، ودعم الحوار والوساطة، وتوظيف علاقاتها الدولية في تقريب وجهات النظر ومعالجة الأزمات بالوسائل السياسية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن السلام يحتاج إلى عمل مستمر، وأن مسؤولية المجتمع الدولي تبدأ من منع النزاعات ومعالجة أسبابها وحماية المدنيين واحترام سيادة الدول.
إن أمن الخليج وأمن الطاقة، وحرية الملاحة واستمرار سلاسل الإمداد، واستقرار حركة التجارة، وحماية المدنيين ووصول المساعدات، ليست ملفات منفصلة عن بعضها، فهي في مجموعها مكونات أساسية لأمن دولي يحمي الإنسان ويحفظ مصالح الدول ويمنح التنمية والاقتصاد مساحة للاستمرار والنمو.
ومن منبر الأمم المتحدة، جاءت رسالة المملكة إلى العالم واضحة في مضمونها: الحكمة والمسؤولية والتعاون هي الطريق إلى مرحلة دولية أكثر استقرارًا، والحلول السلمية هي المسار الذي ستواصل المملكة العمل من أجله، إيمانًا بأن أمن العالم مسؤولية مشتركة، والسلام أساسٌ لمستقبل الشعوب.

