: آخر تحديث

ثروة لها تاريخ انتهاء

4
4
3

هناك ثروات تستطيع الدول الاحتفاظ بها للمستقبل؛ فالنفط يمكن أن يبقى تحت الأرض، والذهب يمكن تخزينه، والأرض يمكن تأجيل استثمارها. لكن هناك ثروة مختلفة، كل عام يمر يستهلك جزءًا من عمرها: شباب المجتمع.

في المملكة، كان 39% من السكان في عام 2024 بين 15-34 عامًا، بينما لم تتجاوز نسبة من بلغوا 65 عامًا فأكثر 2.8%، وفق تقديرات الهيئة العامة للإحصاء. وهذه الأرقام تشمل إجمالي سكان المملكة، سعوديين وغير سعوديين.

قد تبدو هذه مجرد أرقام سكانية، لكنها تحمل معنى اقتصاديًا أكبر. فعندما تكون نسبة كبيرة من المجتمع في سنوات العمل والإنتاج، تفتح أمام الاقتصاد نافذة لتحقيق ما يعرف ب "العائد الديموغرافي". لكنها نافذة وليست ضمانًا؛ فقيمة الشباب لا تأتي من عددهم وحده، وإنما مما يستطيع الاقتصاد أن يبنيه بهم وخلال سنوات شبابهم.

والتاريخ يقدم لنا شاهدًا مهمًا. ففي شرق آسيا، ارتفعت نسبة السكان في سن العمل من نحو 56% عام 1965 إلى 66% عام 1990، وتشير دراسات البنك الدولي إلى أن التحول الديموغرافي أسهم بصورة مهمة في النمو الاستثنائي الذي عُرف بـ "المعجزة الاقتصادية لشرق آسيا". لكن الديموغرافيا لم تعمل وحدها؛ فقد تزامنت تلك المرحلة مع الاستثمار في التعليم والصحة، وتكوين قوة عاملة أكثر مهارة، وارتفاع الادخار والاستثمار وتراكم رأس المال.

الديموغرافيا منحت تلك الاقتصادات الفرصة، وما فعلته بالفرصة هو الذي صنع الفارق.

واللافت أننا نستطيع اليوم مشاهدة الفصل الآخر من القصة نفسها. ففي اليابان، انخفض عدد السكان في سن العمل من 87.3 مليون شخص عام 1995 إلى 73.7 مليونًا في 2024، أي بنحو 16%، فيما ارتفعت نسبة كبار السن إلى السكان في سن العمل من 21% إلى 49%. وتتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية انخفاض السكان في سن العمل هناك بنحو 31% إضافية بين 2023 و2060.

أما كوريا الجنوبية، إحدى أبرز قصص الصعود الاقتصادي الآسيوي، فتواجه تحولًا أسرع. ففي عام 2000 كان هناك 11 شخصًا بعمر 65 عامًا فأكثر لكل 100 شخص بين 20 و64 عامًا، وأصبح العدد 31 في 2025، وتتوقع OECD وصوله إلى 80 بحلول 2050.

تقدم المجتمعات في العمر ليس مشكلة في ذاته؛ فارتفاع متوسط العمر والصحة إنجاز تنموي. لكن المعادلة الاقتصادية تتغير عندما يتراجع عدد السكان في سن العمل مقارنة بكبار السن، فتزداد أهمية الإنتاجية والمشاركة في سوق العمل، وترتفع الضغوط على أنظمة التقاعد والرعاية والمالية العامة. وتتوقع OECD انخفاض عدد السكان في سن العمل في دولها بنحو 13% في المتوسط خلال العقود الأربعة المقبلة.

وهنا تهمنا التجربة؛ لأن السعودية تقف اليوم في مرحلة مختلفة من هذه الدورة.

منذ إطلاق رؤية السعودية 2030، وضعت القيادة تنمية الإنسان ضمن مشروع التحول الاقتصادي، وترجم ذلك إلى مسارات تمتد من التعليم والتدريب إلى تنمية المهارات ورفع المشاركة في سوق العمل. وما بدأ على مستوى الرؤية والسياسات يحتاج اليوم إلى أن يتحول بصورة متزايدة إلى إنتاجية وقيمة اقتصادية متراكمة.

وهناك مؤشر يستحق التوقف عنده. فدراسة حديثة للبنك الدولي وجدت أن نسبة العاملين إلى السكان بين السعوديين في عمر 18 إلى 24 عامًا ارتفعت من 10% في 2015 إلى 33% في 2025، بينما ارتفعت بين النساء السعوديات من 11% إلى 32% خلال الفترة نفسها. والبنك الدولي نفسه يصف سوق العمل السعودي بأنه يتحرك نحو اقتناص العائد الديموغرافي لدعم النمو الاقتصادي.

لكن الدخول إلى سوق العمل ليس نهاية القصة، بل بدايتها. فالمرحلة الأهم هي رفع إنتاجية هذا الجيل ودخله، وتعميق مهاراته، وزيادة قدرته على الادخار والاستثمار وريادة الأعمال، بحيث تتحول سنوات العمل الطويلة أمامه إلى رأس مال يتراكم داخل الاقتصاد السعودي.

لقد هيأت رؤية 2030 مسارات أوسع لمشاركة المواطن في الاقتصاد، من القطاعات الجديدة إلى العمل والاستثمار وريادة الأعمال. ومن هنا تصبح المسؤولية مشتركة بصورة أكبر بين الوزارات والهيئات والجامعات والمعاهد ومؤسسات التدريب والقطاع الخاص. فالمطلوب ليس فقط زيادة عدد الخريجين أو الموظفين، وإنما رفع القيمة الاقتصادية للإنسان السعودي عامًا بعد عام.

وقبل كل هذه المؤسسات تأتي الأسرة.

فالإنسان لا يبدأ تكوينه عند دخوله الجامعة أو سوق العمل؛ تسبقه سنوات تتشكل فيها صحته وتعليمه، وقيمه، وانضباطه، وطموحه. وفي ثقافتنا الإسلامية يأتي معنى تكوين الأسرة وكثرة الأمة واضحًا في قول النبي: «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم».

وليس المقصود تحويل الحديث الشريف إلى معادلة اقتصادية؛ فمعناه ومكانته أوسع من ذلك. لكن من زاوية التنمية هناك معنى يستحق التأمل: كثرة العدد قوة عندما يصاحبها حسن البناء. فالطفل الذي يولد اليوم سيكون بعد سنوات جزءًا من المجتمع وسوق العمل، وما يحمله معه من علم وصحة ومهارة وقيم سيحدد مقدار ما يستطيع إضافته إلى وطنه.

وهنا ربما علينا أن نغير الطريقة التي ننظر بها إلى شباب المملكة.

ليس المطلوب أن نبقى مجتمعًا شابًا إلى الأبد؛ فهذا لا يحدث لأي مجتمع. المطلوب أن يأتي اليوم الذي تتغير فيه تركيبتنا السكانية، فنجد أن سنوات شباب هذا الجيل تحولت إلى اقتصاد أكثر إنتاجية، وشركات أكثر قدرة، ومعرفة أعمق، ومدخرات وأصول أكبر، وجيل جديد أفضل تأهيلًا.

لذلك ربما لا يكون السؤال الأهم: كم شابًا لدينا اليوم؟ بل: ماذا سيبقى في اقتصادنا من سنوات شبابهم بعد أن تمضي؟

هنا تحديدًا تكمن قيمة النافذة الديموغرافية السعودية؛ ليست فقط في عدد السنوات التي ما زالت أمامنا، وإنما فيما سنبنيه خلالها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد