قررت إدارة نادٍ لكرة القدم تركيبَ شريحة ذكاء اصطناعي في أدمغة لاعبيه، تتلقى الإشارات من العالم الخارجي، وترسل أوامر بالتصرف.
انبهرت الجماهير بالتطور الذي حدث. قلب الدفاع قفز مستواه قفزة كبرى، انتقل من خانة اللاعب المتوسط إلى اللاعب الجيد جداً، وصارت أخطاؤه أقل، وتموضعه أحسن، وقراراته أسلم. ورقم 6 لم يعد يستنزف مجهوده في شوط المباراة الأول، وقدرته على تحليل الهجمات صارت مبهرة، مكنته من التحكم في إيقاع المباراة. أما رقم 9 فقد قلَّ معدل الفرص الضائعة منه إلى أدنى مستوى له طوال تاريخه في الملاعب.
لاعب واحد فقط انخفض مستواه مع الشريحة، فاستثناه النادي من تركيبها. هذا اللاعب هو ميسي. وجد الجهاز الفني أنَّ الشريحة كانت تحسن القرار وفق ما يمكن قياسه، بينما معظم اللحظات العبقرية لميسي لا تبدو القرارات فيها صحيحة بالمعيار المعتاد.
الفريق ككل صار لا يقهر، ولا يخطئ، كأنَّه آلات بشرية، ليس أمامه عائق سوى مستوى لياقته البدنية، وقد تكفل فريق تدريب الأحمال بها. الوحيد الذي يخطئ هو ميسي.
بعد موسمين، تعمم استخدام شرائح الذكاء الاصطناعي عبر فرق الدوري جميعاً. ارتفع مستوى المنافسة والكفاح إلى ما وصفه الخبراء بتطور يُشبه الصعود الأول على القمر، أو الإقلاع الأول بطائرة. ورغم ذلك، فإنَّ الحماسة الأولى لدى الجمهور فترت بعد ستة أسابيع من المنافسة. وبنهاية الدور الأول كانت المدرجات شبه خاوية، حتى مشاهدات المباريات في البيوت قلّت، إلا المباريات التي يشارك فيها ميسي.
بسؤال الجمهور عن سبب عزوفه عن المباريات قال إنَّها ليست كرة القدم التي يعرفها. الفرق جميعها قوية للغاية، والمباريات أشبه بمنافسات ملاكمة على وتيرة واحدة. الوحيد الذي يمتعهم ميسي.
حاول المبرمجون والإداريون على مدار السنوات التالية أكثر من حل. اشترطوا ألا تزيد الشرائح لكل فريق على تسع. وهذا خلق مشاكل إدارية ونفسية للاعبين. ثم ابتكروا طريقة سموها خطة التمويه الخوارزمي. نجحت الفرق التي اخترعتها في خداع شرائح الفريق المنافس مرة، لكن بالتعليم الذاتي فكّ الذكاء الاصطناعي شيفرتها، وصار قادراً على قراءة إشاراتها أيضاً.
مشكلة أكبر ظهرت بعد اعتزال هذا الجيل من اللاعبين. الجيل التالي كان جيداً للغاية، فاللاعبون جميعهم متكاملون، لكن الجيل كله خالٍ تماماً من أصحاب اللحظات الساحرة. وهنا لم يكن بد أمام القائمين على اللعبة من الاعتراف بالمشكلة الجوهرية.
تشابه المستوى يفقد الإحساس بالجمال. شرائح الذكاء الاصطناعي حبستنا جميعاً في دائرة ضيقة من الجودة، أفضل كثيراً من المستوى المتدني، ولكن دون العبقرية التي يصنعها الخروج عن المألوف. وفرة من الممثلين الجيدين، ولا مارلون براندو في دور فيتو كورليوني.
الحصول على لاعب عبقري احتمالٌ ضئيل، لا يمكن التعويل عليه عند حساب المعادلة الاقتصادية للفريق. واللاعبون الموهوبون يحتاجون إلى فترة كبيرة من الاحتكاك في المستويات الأعلى، لكي تصير موهبتهم قادرة على معادلة قدرات الذكاء الاصطناعي والتفوق عليها. من يتحمَّل التبعات الاقتصادية لثغراتهم طوال هذه المدة؟ الأجدى حسابياً استخدام الشريحة مع كل اللاعبين من البداية. وهذا ما حدث منذ كانوا ناشئين.
كان ميسي محظوظاً لأنَّه بنى رصيداً ضخماً قبل الثورة التكنولوجية.
وهنا وجد الجميع أنفسهم أمام المعضلة الكبرى. حتى مع الاعتراف بأنَّ كرة القدم فقدت ذخيرتها الجماهيرية، لم يكن ممكناً لفريق واحد أن يبادر إلى الخروج عن منظومة الذكاء الاصطناعي، وإلا تحوَّل إلى حصالة البطولة أمام تلك الفرق القوية. ولو حاول اتحاد وطني أن يحد استخدامه بتشريعات داخلية، سيفقد فرصة المنافسة الدولية. وتلك أزمة لا مخرج منها.

