: آخر تحديث

عولمة الثقافة السعودية

5
5
3

إن التميز الثقافي السعودي في المسارح والمعارض الدولية هو استثمار طويل الأجل في الذاكرة الإنسانية، ويشكل إحدى أبهى ثمار رؤية السعودية التي آمنت أن الثقافة هي جوهر التطور والارتقاء الإنساني.. إننا نتحرك بخطى واثقة لنكون جزءًا أساسيًا من حوار الحضارات العالمي، نؤثر ونتأثر، ونعزز الحضور الثقافي الوطني في الأفق الكوني..

لم يعد الحضور الثقافي للأمم في العصر الحديث مجرد خيار ثانوي يُكتفى فيه بالإيماءات الرمزية، بل أضحى ركيزة استراتيجية تشكل صورة الدولة في الأفق الإنساني وتنسج صلاتها الحية مع المجتمعات. إن أهمية التواجد الثقافي السعودي في الفضاء العالمي تكمن في كونه نافذة ناطقة بالصدق، تنقل تجربة حضارية فريدة وتكسر الأطر الذهنية التقليدية التي طالما اختزلت المنطقة في مفاهيم محدودة. هذا التواجد ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة حضارية تعيد صياغة العلاقات الدولية على أسس المعرفة والاحترام المتبادل.

اليوم حين تتفتح أجنحة الثقافة السعودية في عواصم الفكر والفن -من باريس إلى طوكيو، ومن لندن وصولاً إلى نيويورك وواشنطن- فإن الوطن يقدم للعالم بطاقة تعارف جديدة قائمة على الثراء الإنساني والعمق التاريخي. هذا التواجد المضيء يمنح المبدع السعودي منصة مخاطبة مباشرة مع الآخر، ويؤكد أن الثقافة هي أسرع الجسور عبوراً إلى القلوب والأذواق، وأن المملكة العربية السعودية لا تكتفي بكونها ثقلاً اقتصادياً وسياسياً محشوراً في التوازنات، بل هي مركز إشعاع حضاري يثري المكتسب الإنساني العالمي.

يقف خلف هذا التدفق الحضاري جهد استثنائي تقوده وزارة الثقافة؛ التي جعلت من المشاركات الخارجية نشاطاً حيوياً ومحكماً، ورسمت خارطة طريق واضحة تتكامل فيها الأدوار بين الهيئات المتخصصة، وفي مقدمتها "هيئة الأدب والنشر والترجمة" التي حملت مشروع التجسير الثقافي عبر مبادرتها الطموحة لترجمة عيون الأدب السعودي إلى لغات شتى، ومشاركتها الحثيثة في معارض الكتب الدولية الكبرى كمعرض فرانكفورت الدولي للكتاب، ومعرض القاهرة الدولي، ومعرض بكين.

وتتلاقى هذه الجهود مع باقي الهيئات الثقافية؛ حيث تبهر "هيئة الأفلام" الجمهور العالمي في المهرجانات السينمائية المرموقة مثل مهرجان كان السينمائي في فرنسا ومهرجان فينيسيا السينمائي في إيطاليا، بينما تجوب "هيئة الموسيقى" و"هيئة الفنون المسرحية والأداء" أرقى المسارح الكونية كمتحف اللوفر بباريس ومسرح المكسيك القومي لتقديم الأوركسترا السعودية. كذلك تسهم هيئات التراث، والفنون البصرية، وطهي الأغذية، في تقديم صور متكاملة للذاكرة السعودية المفعمة بالألوان والنكهات والتفاصيل التاريخية العريقة.

إن العمود الفقري لهذه النهضة هو الإنسان السعودي المبدع، وهو ما أدركته وزارة الثقافة مبكراً، فجعلت من دعم المثقف والفنان والكاتب خياراً استراتيجياً. لم يعد المفكر أو المبدع السعودي يمثل تجربته الفردية بشغف معزول، بل أصبح يلقى رعاية مؤسسية شاملة تتكفل بفتح الأبواب العالمية أمامه. يظهر هذا الدعم جلياً في إطلاق برامج الإقامات الفنية الدولية، والمنح الدراسية في المعاهد العليا والجامعات المرموقة حول العالم، وحضور المبدعين في البيناليّات العالمية كبينالي بندقية للفنون، والندوات الفكرية في مدريد وبرلين، وتورونتو، إضافة إلى إتاحة المشاركة الفاعلة في المؤتمرات الفلسفية والأدبية وتسهيل نشر وتوزيع النتاج الفكري المحلي عالمياً. إن هذا التمكين المباشر منح المثقف السعودي شجاعة الابتكار وثقة المواجهة، ليقف بين نظرائه من مختلف الجنسيات حاملاً رؤيته الخاصة، معبراً عن تطلعات مجتمعه وأفكاره، ومقدماً نصوصاً أدبية ولوحات فنية وأفلاماً تحاكي الهم الإنساني المشترك بعيون سعودية أصيلة.

لم تعد الثقافة مجرد احتفالية عابرة، بل غدت القناة الأكثر تأثيراً في صياغة الهوية السعودية وترسيخ حضورها الناصع في الوجدان العالمي. إن تجسيد التراث السعودي -من القهوة الخولانية وفنون السدو والقط العسيري إلى القصيدة والموسيقى الحديثة- في أروقة المحافل الدولية يقدم الهوية الوطنية بوصفها هوية حية متجددة، تجمع بين الأصالة والاتصال بالعصر، وتحول الموروث الشفهي والمادي إلى لغة عالمية يفهمها الجميع ويحترمها. تتلاشى الصور النمطية الباهتة بمجرد أن يلتقي المتابع أو الناقد الغربي والشرقي في بكين، أو سيول، أو بوينس آيرس، بالصوت الأدبي والفني السعودي المترجم والمتقن. إن هذه القوة الناعمة تشيد سفارات من المحبة والتفاهم، وتجعل الهوية السعودية رمزاً للإبداع والسلام والتنوع الثقافي الخلاّق الذي يحترم الخصوصيات ويعزز الشراكة مع الآخر.

إن التميز الثقافي السعودي في المسارح والمعارض الدولية هو استثمار طويل الأجل في الذاكرة الإنسانية، ويشكل إحدى أبهى ثمار رؤية السعودية التي آمنت أن الثقافة هي جوهر التطور والارتقاء الإنساني.. إننا نتحرك بخطى واثقة لنكون جزءًا أساسيًا من حوار الحضارات العالمي، نؤثر ونتأثر، ونعزز الحضور الثقافي الوطني في الأفق الكوني.. هي الثقافة؛ لسان الوطن الذي لا يصمت، ورسالته الخالدة التي تخاطب العالم بحدائق الجمال وعمق الحضارة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد