من الأعمال التلفزيونية السعودية التي تستحق التوقف عندها والإشادة بها، مسلسل "بنات عمير" الذي ظهر عملاً درامياً لا يعتمد على الإثارة المفتعلة ولا على الحكايات البعيدة عن واقع الناس، بل دخل إلى بيت من شاهده على شاهد، ليروي حكاياتهم ومشكلاتهم ومخاوفهم وأفراحهم الصغيرة، دارت أحداث المسلسل حول "عمير" الأب الأرمل محدود الدخل، الذي يجد نفسه مسؤولًا عن تربية بناته الأربع إضافة إلى ابنة شقيقه، في بيت غابت عنه الأم لكن لم يغب عنه الحنان، ومن خلال هذه الأسرة يفتح العمل نوافذ متعددة على العلاقات العائلية، واختلاف طبائع البنات وتطلعات كل واحدة منهن، وما يتحمله الأب من مسؤولية ثقيلة لا تخلو من القلق والتضحية وسوء الفهم أحيانًا، نجح المسلسل لأنه اقترب من شريحة واسعة من المجتمع، وبخاصة الآباء الذين رزقهم الله بالبنات ولم يرزقهم بالأبناء الذكور، مقدماً رسالة جميلة مفادها أن البنت ليست همًّا ولا عبئًا، بل هي خير وبركة ورحمة في البيت، وأنها قد تكون لأبيها ابنة وصديقة وسنداً حين تتغير الأيام وتتقدم به السن، ومن أجمل عناصر العمل ذلك الأداء العفوي والبسيط لمجموعة الممثلين والممثلات، لم نشعر بأننا أمام شخصيات تردد حواراً محفوظاً، بل أمام أسرة حقيقية تتحدث وتغضب وتضحك وتختلف ثم تعود إلى بعضها، وكانت الحوارات قريبة من لغة الناس البسطاء، والانفعالات هادئة وغير متكلفة، حتى بدا التمثيل في كثير من المشاهد وكأنه جزء من الحياة اليومية لا مشهد جرى إعداده أمام الكاميرا، جاء في مقدمة هذا الأداء التمثيلي الرائع الفنان "مشعل المطيري" فقد حمل العمل باقتدار، مقدماً شخصية "عمير" بنضج فني واضح، وأنا اشاهده لم أشعر أنه يمثل، بل ظهر بطبيعته عائشاً شخصيته بكل تفاصيلها، في نظراته وصمته وارتباكه وغضبه الأبوي، وحنانه الذي حاول أحياناً إخفاءه خلف الشدة، فنان كبير بعطاءه لأنه عرف كيف يحب دوره، وكيف يدخل إليه من دون ضجيج أو استعراض فأحبه الدور، ويُحسب لمشعل المطيري حسن اختياره لأدواره، ووعيه بمرحلته العمرية والفنية، فلا يطارد أدوار الشباب، ولا يحاول استعادة زمن مضى، بل يختار الشخصية التي تلائم عمره وحضوره وتجربته، وهذا الوعي دليل علامات النضج الفني الحقيقي لديه، كما ظهر الإخراج منسجماً مع روح الحكاية، هادئ وعفوي لم يحاول المخرج استعراض الكاميرا على حساب الشخصيات، بل ترك للممثلين مساحة يتحركون فيها براحتهم، وجعل البيت نفسه جزءاً من الحكاية، لذا ظهرت الصورة للمشاهد كأنه لا يتابع مسلسل، بل يعيش داخل منزل عمير وبين بناته، بنات عمير مسلسل اجتماعي مميز، احترم الأسرة السعودية وناقش قضاياها من الداخل، من غير خطب مباشرة أو مبالغات درامية وهو من الأعمال التي تبقى في الذاكرة لأنها تشبه بعض البيوت وبعض الناس وتحترم مشاعرهم، وتؤكد أن البنات لسن نصف البيت، بل البيت كله، احيي طاقم العمل بأكمله واخص بالذكر الممثلين والممثلات، كان بودي الاشادة بأسماء طاقم التمثيل، لكن مساحة المقال لم تعد تسمح بالقول عن بنات عمير والنجم مشعل المطيري.

