: آخر تحديث

ميركل والحرية

7
6
7

مكثت أنغيلا ميركل في منصب مستشارة ألمانيا طوال 16 عاماً، تكّرس خلالها دورها كواحدة من أبرز الساسة في أوروبا، لا بل وفي العالم، لما كانت عليه شخصيتها من كاريزما لافتة، وحين غادرت موقعها كان من الصعب تخيّل ألمانيا دون أن تكون ميركل القائدة الأولى فيها، ولكن هي نفسها من قالت يومها ما معناه: إن ألمانيا سرعان ما ستعتاد على أنها لم تعد مستشارة، وإن زعامتها أصبحت مجرد ماضٍ.

وفي قولها هذا تواضع غير خافٍ، لكنه حقيقة أيضاً. الناس تتذكر الماضي إن من باب الحنين إليه، أو للمقارنة بينه وبين الحاضر، حين يصبح الحاضر أسوأ، وقد يحدث العكس أيضاً: يتذكر الناس الماضي بغضب، حين يصبح حاضرهم أفضل، ولن يكون تجنيّاً لو قلنا إن شخصية المستشار الحالي شولتس تبدو باهتة بالمقارنة مع شخصية ميركل. لكن الماضي لا يعود. ميركل أصبحت ماضياً وشولتس هو الحاضر.

ما إن غادرت ميركل موقعها، حتى انصرفت إلى كتابة مذكراتها، التي أعلنت دار النشر المعنيّة، قرب صدورها قبل نهاية هذا العام، وكما يستعين الساسة بمحررين أو كتبة سيرة وهم يكتبون مذكراتهم، فإن ميركل كتبت مذكراتها بالتعاون مع بيآته باومان، التي شغلت منصب مديرة مكتبها لفترة طويلة، وهو موقع أتاح لها معرفة الكثير من تفاصيل ودهاليز السياسة فترة ولاية ميركل.

حسبما أتيح من معلومات، فإن ميركل لا تحكي في مذكراتها هذه عن فترة توليها منصب المستشارة، وكيفية اتخاذ القرارات المؤثرة، وإنما تحكي أيضاً، و«بشكلٍ شخصي غير مسبوق» عن فترتي طفولتها وشبابها في شرقي ألمانيا الذي كان يعرف بجمهورية ألمانيا الديمقراطية فترة التقسيم، كإحدى نتائج الحرب العالمية الثانية التي هُزمت فيها ألمانيا الهتلرية. وهو أمر سيتيح للقارئ التعرف إلى ملامح مرحلة فاصلة في التاريخ الألماني، لا بل والأوروبي، الحديث، استمرت منذ نهاية الحرب حتى لحظة سقوط جدار برلين في عام 1989، تحت تأثير تداعيات «بيروسترويكا» غورباتشوف التي غيّرت صورة أوروبا.

في وصف المذكرات التي ستصدر في ثلاثين دولة وتقع في 700 صفحة تحت عنوان: «الحرية – ذكريات 1954 – 2021»، قالت الناشرة كيرستينا غليبا: «ذكريات ميركل تفتح أعيننا على الفرص والتحديات»، واصفة تلك المذكرات بأنها «مرافعة حازمة من أجل الحرية»، وهو أمر فيه قولان، لكن ميركل لم تشأ أن تحصر الأمر في الجانب السياسي وحده، فإلى جانب تأكيدها أنه «بدون ديمقراطية لا توجد حرية، ولا دولة قانون، ولا حفاظ على حقوق الإنسان»، فإن الموضوع يشغلها أيضاً على مستوى آخر: «الحرية بالنسبة لي هي أن أكتشف حدودي الذاتية، وأن أمضي إلى آخر تلك الحدود».

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد