عبدالله الزازان
نشرت على فترات مختلفة كتابات وقراءات ودراسات حول نقد العقل العلماني، وتبين لي أن العلمانية موضوع كبير أسهم فيه علماء الاجتماع والفلسفة والسياسة والمذاهب الفكرية، فمنهم تناوله من زاوية اجتماعية، مثل الألماني ماكس فيبر، الذي يرى أن العلمانية أحد أهم مشروعات الحداثة الغربية، والسياق التاريخي والاجتماعي الذي تطورت فيه. ومن وجهة نظر فيبر تقترن بمظهرين أساسيين: نزع القداسة عن العالم وتحويله إلى مجرد معادلات رياضية وفيزيائية، قابلة للتوظيف من قبل الإنسان الحديث، تفكيك المنظور التوحيدي، وإقصاء الدين وتغييبه على نحو منهجي، وتهميش الحضور الديني إلى أضيق نطاق ممكن، واختزال الحياة في تفسيرات مادية، وإن كانت تكتنف قراءة ماكس فير للعلمانية نزعة يسارية، ورؤية ماركسية، حيث شكلت الماركسية محور تفكيره، فقد ولد في بيئة فكرية كانت من صنع ماركس، وكان أثرًا من آثاره، ولكن لم يكد يمضي قليلاً في تعلقه بالماركسية، إلا ورغب عنها ونفض يديه منها، وانقلب على نظرياتها، والتي كانت تمثل أفكاره الأولى حول العلمانية. وبعد ما فك ارتباطاته بالفكر الماركسي، أعاد الاعتبار للجوانب الروحية، قائلاً إن الدين يؤدي دورًا صانعًا للحضارة، بينما ينظر الفلاسفة للعلمانية، كتحول تاريخي يضع الإنسان مركزًا للحياة، وتحولاً في بنية التفكير البشري، حيث يرى هيغل أن على العقل أن يحل محل الدين في تدبير العالم، بينما يرى سبينوزا أن على الإنسان أن يقف على مسافة واحدة من المعتقدات. في حين أن العلمانية السياسية تدعو إلى فصل الدين عن السياسة، أو الفصل بين العالم الروحي والدنيوي، وكان بعض المنظرين الاجتماعيين مثل دور كايم، وجون لوك لايقيمون وزنًا للديانات، وعندما نعرض هذه النماذج النظرية، على الواقع الإسلامي نجد عدم التطابق ما بينها وبين الإسلام، فالإسلام ينفرد بجملة من الخصائص التي لا نجد لها نظيرًا في غيره من الديانات الأخرى، وفي مقدمة تلك الخصائص علاقة الديني بالدنيوي، وصلة الروحي بالزمني، فالديني ضمن السياق القرآني، وعلى ما هو مستخدم في الخطاب الفقهي يرتبط بمختلف مواقع الحياة، أي هو شرعة ومنهج بالتعريف القرآني. كما أن مفهوم العبادة في التصور الإسلامي العام، لا ينحصر في أداء الشعائر الدينية فحسب بقد ما هو سلوك أنبث في مختلف مواقع الحياة، ومن ثم لا تنفصل حركة العبادة في المسجد عن حقل الاقتصاد وعالم السياسة. ولذلك فالإسلام لا يقيم مقابلة أو مفاصلة بين الديني والزمني؛ لأن كل ماهو زمني ودنيوي لا ينفصل عن مرتكزاته الروحية، فكل ما هو زمني لا يكتسب وجوده إلا من خلال أعماقه الروحية، في انصهار اندماجي لا ينفك فيهما الواحد عن الآخر. ولعل التقارب الاشتقاقي لكلمتي «دين ودنيا» في اللغة العربية يبرز هذا الوثاق القوي بينهما، فالعلمانية منظومة فكرية وافدة ومسوغات نشأتها في الغرب لم تكن موجودة في البيئة العربية الإسلامية، بل هي في الواقع نموذج مستورد لا يتناسب مع طبيعة الدين، فالعلمانية تسعى إلى إقصاء الدين واختزال الحياة في التفسيرات المادية، وتصديرها من قبل الغرب كنموذج كوني إلى مجتمعات ذات خلفيات ثقافية ودينية مختلفة عن السياق الغربي، لفرض نظرة مادية تسلب الإنسان إنسانيته الروحية، وتتعامل معه كجزء من الطبيعة المادية. ولكن من التبسيط وصف المجتمعات الغربية بأنها مسيحية كاملة، أو علمانية كاملة، كما إنه من الخطأ قراءة المجتمعات الغربية من واقع كتابات بعض علماء الاجتماع، كما أنه من الخلل قراءة العلمانية من خلال آراء الفلاسفة وأصحاب المذاهب الفكرية؛ لأن حركة الواقع أكثر تعقيدًا من القوالب النظرية. فالغرب الحديث يتداخل فيه البعد الديني المسيحي مع الفكر الروماني والإغريقي مع الوجه العلماني إلى الحد الذي لا يمكن فصل هذه العناصر عن بعض، فالعلمانية في صورتها الحالية عبارة عن حركة مساومات وتسويات بين مختلف القوى الاجتماعية والدينية المتنازعة حينًا والمتوافقة حينًا آخر، وهذا ما يفسر اختلافها من بلد إلى آخر. الصراع بين الدين والدولة لم يكن قاعدة عامة لكل دين ودولة، وإنما كانت حالة خاصة بأوروبا القرون الوسطى، فهناك علاقة انسجام وتفاهم بين البوذية والهندوسية، والكونفوشيوسية والدول في آسيا وبين الإسلام والدول العربية والإسلامية، فالعلاقة بين الديني والمدني في التجربة التاريخية الإسلامية طبيعية توافقية، حيث تكمن في قوة النموذج التاريخي الإسلامي.من التبسيط وصف المجتمعات الغربية بالعلمانية
مواضيع ذات صلة

