ألم يشبع الغرب من كعكة الهيمنة العالمية؟ الأرجح منطقياً، هو أنه لا يمكن تأليف موسوعة تاريخيّة أوسع موضوعاً من تاريخ التوسّع. ذلك ديدن الأعصار في كل الأمصار.
كم هي شعوب العالم الثالث مفتقرة إلى ثقافة الوعي الجغرافي والتاريخي، قبل الافتقار إلى الوعي الجيوسياسي. التخلف الاقتصادي التنموي، ليس اقتصاداً فحسب، لأن الاقتصاد له جغرافيا، والجغرافيا لا تنفصل عن السياسة والاستراتيجية. لهذا نرى مفهوم الثقافة في العالم العربي محجّماً متقلّصاً، لتخفيف الصدمة. لا بدّ من شطحات إيقاظية طاردة للسهو الذي يضبّب الرؤية. مثلاً: في الحرب الباردة أدركت القوى العظمى الغربية، الإمبراطورية بالذات، أن الانتصار على الخصم غير ممكن إذا لم تكن الثقافة رأس الحربة وطليعة المواجهة: الفنون التشكيلية بشتى تيارات الفن المعاصر، مع الموجات الموسيقية المستجدّة، من الجاز وتفرعاته، وسلسلة نسله من روك وبوب وراب، وكل مظاهر تغيير أنماط الحياة العامّة في جميع الميادين الاستهلاكية.
لكن رسم لوحة الوعي الثقافي، يجب أن يبدأ قبل ذلك. مثلاً، من عالم الجغرافيا السياسية البريطاني هالفورد جون ماكيندر، الذي وضع نظرية «قلب الأرض»، ومن يسيطر عليه يسيطر على العالم. كفى القرن العشرين فخراً أن من كبار «مريديه»، بلغة الصوفيين، هنري كيسنجر وزيبجنيو برجنسكي. محور الأرض يمتدّ من روسيا إلى حدود الصين وأفغانستان وبعض ما جاورها. لا يمكن استكمال اللوحة ولا استيعابها إذا لم تتضح صورة تلك الخلفية، وعلاقة أحداث عالمنا العربي بها.
يجب التراجع قليلاً إلى الوراء، لرؤية تفاصيل أخرى مهمّة في الخلفية الثقافية. هذه المرّة من زاوية: «وتلك الأيام نداولها بين الناس» (آل عمران 140). في الإمكان التعريج على ابن خلدون وأرنولد توينبي في مراحل عمر الحضارة. لكن، لا ننس الأبعاد الوجوديّة في الآية «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض» (البقرة 251). كأن الغرب شبع تاريخياً من كعكة الهيمنة، وهو الذي بدأ يفطم نفسه. لقد كان القرن الثامن عشر فرنسياً، عهد الملك الشمس لويس الرابع عشر. القرن التاسع عشر كان بريطانياً، عصر الثورة الصناعية. العشرون كان أمريكياً. الحادي والعشرون سيكون صينيّاً هنديّاً أوراسيّاً، على الأرجح.
لزوم ما يلزم: النتيجة الأمليّة: إذا أعاد العرب النظر في معجون ثقافتهم، وأضافوا إليه مزيجاً استراتيجياً من القوتين الصلبة والناعمة، فسيكون لهم نصيب من كعكة القرن الحادي والعشرين.

