: آخر تحديث
يشعرون بالعجز والصدمة جراء الحرب في أوكرانيا

شباب روس أمام معضلة التقوقع على الذات أو التحرّك الحذر

24
28
30

موسكو: يشعر عدد من الشباب الروس بالعجز وبالصدمة جراء الحرب في أوكرانيا، ما يضعهم أمام معضلة الانخراط في العمل على "شفاء" المجتمع الروسي عبر خطوات صغيرة أو الانسحاب والنأي بالنفس.

قضت ماشا ايانتشفسكايا الأيام الأولى من الهجوم الروسي وهي تحدّق بركّاب مترو موسكو من أجل "فهم ما يشعرون به".

تروي الشابة البالغة من العمر 21 عاماً والمخرجة الطموحة جالسة قرب نافذة أحد المقاهي بأنها "ذات يوم، نظرت في عيني شاب وذرفنا الدموع نحن الاثنين من دون أن نتفوّه بكلمة واحدة".

خلال عام واحد فقط، تبدّلت حياتها بشكل كبير، وتقلّص محيطها وفر معظم أفراده إلى خارج البلاد.

واختار عشرات الآلاف من الروس، غالبيتهم من الشباب المتعلمين، الرحيل خشيةً تجنيدهم على جبهات القتال، أو خوفاً من وقوعهم تحت يد القمع في بلدهم الذي أصبح فيه انتقاد الجيش جرماً يعاقب عليه بالحبس المشدّد.

يرى الكرملين أن موجة الهجرة هذه سمحت بـ"تطهير ذاتي" للمجتمع، لأن من غادروا هم أشخاص تعتبرهم السلطة بمثابة خونة.

الشعور بالذنب

تقول ماشا التي تخصص وقتها حالياً بشكل كبير لعائلتها وتعمل كمصوّرة حرّة لكسب قوتها، إن "غالبية أصدقائي غادروا روسيا، وأواجه صعوبةً في أن أشرح لهم لماذا اخترت البقاء".

وتضيف "بشكل عام، أحاول أن أكون أكثر قرباً من عائلتي، وأن أكون أكثر لطفاً وصبراً وتسامحاً. الأهمّ هو أن لا نقع في خلافات، وأن لا نفقد وحدتنا"، مشيرةً إلى أنها "ممتنة" لأنها هي وعائلتها يتشاركون وجهة النظر تلك نفسها.

تبدّل كذلك نشاطها عبر الانترنت، فالآراء التي تشاركها تترك مجالاً للتأويل، في محاولة منها لحماية نفسها.

لكن "الشعور بالذنب أفرز شعوراً جديداً بالمسؤولية" لدى ماشا كما تقول. وتضيف "أردت أن أدعم من يقاومون مع بقائي في روسيا في الوقت نفسه".

وأطلقت مع صديقةٍ لها مدوّنة حول "الهوية الروسية من أجل تنمية وشفاء الأمة"، لكن المشروع توقف حينما هاجرت صديقتها في أيلول/سبتمبر في أعقاب حملة تجنيد مئات الآلاف من جيش الاحتياط للقتال على الجبهة الأوكرانية.

مذّاك، كرست ماشا نفسها لتنظيم عروض أفلام وورشات عمل وحفلات موسيقية سعيا لأن تقدّم للروس "نوعاً آخر من السينما والموسيقى".

بعض التغيير

تشرح الباحثة في علم الاجتماع إيلينا اوملتشنكو، المختصة في شؤون فئة الشباب، بأن العديد منهم مثل ماشا، يحاولون التأسيس لمشاريع على مستويات صغيرة، حيث "بإمكانهم أن يحدثوا بعض التغيير"، على غرار جمع التبرعات للاجئين وإنشاء مكتبات صغيرة وتنظيم أنشطة ثقافية.

وترى أن النقطة المشتركة بين كلّ تلك المبادرات هي أن "محتواها لا يتقاطع إطلاقاً مع أهداف الدولة".

فهؤلاء الشباب المتعلمون الذين نشأوا في المدينة غالباً ما يكونون بعيدين عن الخطّ الخاص بالكرملين. في استطلاعات الرأي، يشكو هؤلاء من "غياب وجهات النظر" ومن "الاستبعاد من الحياة السياسية".

وتضيف الباحثة بأن "أفق المستقبل لدى هؤلاء لا يتجاوز بضعة أشهر. ارتفع الطلب على الأدوية المضادة للاكتئاب فيما بينهم بنسبة 50 بالمئة خلال عام".

لا يشكّل هؤلاء الشباب المختلفون غالبية مع ذلك، وفق استطلاع نشره مركز "ليفادا" المستقل، الذي لا يزال مصرحاً به من قبل السلطات لكنه يعتبر "كأداة بيد الخارج".

ويشير استطلاع للرأي نشره المركز في كانون الثاني/يناير إلى أن 30% من فقط من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً يعارضون "تحرّك القوات الروسية في أوكرانيا".

"الهجرة الداخلية"

يتخّذ العديد من الشباب في هذا السياق خيار الابتعاد عن التحرّك، والانسحاب والتقوقع على الذات، وهي ظاهرة تذكّر بمفهوم "الهجرة الداخلية" للجيل السابق لهم خلال الحقبة السوفياتية، وهو بمثابة الانسحاب من مجتمع لا يتفقون مع قيمه.

هكذا، خلقت الرسامة والمصورة الفوتوغرافية البالغة 21 عاماً بولينا سافينا "مساحة الأمان الخاصة من أجل الاستمرار".

وتقول الشابة الشقراء التي تغطّي الوشوم رقبتها لفرانس برس "أنا في حالة هجرة داخلية تامة. بالنسبة لي، الهجرة الجسدية شكّلت رهاناً صعباً جداً... أن تكون نفسياً في مكان آخر هو أمر مريح أكثر".

وتضيف الفتاة التي تعمل في تحضير القهوة أنها تعيش "في بعد آخر غير الذي تعيش فيه البلاد" مع "الكتب والتأملات في الفنّ".

في الشقة التي تعيش فيها مع أمها وجدتها، تتفادى بولينا بتأنٍّ التطرّق للأحاديث التي تثير الغضب، لا سيما مع جدتها المؤيدة لفلاديمير بوتين.

وتشرح الشابة "بشكل عام، توقفت عن إطلاق الأحكام على الناس، لقد سامحتهم جميعاً دفعةً واحدةً"، مضيفةً "أحاول ألّا أضيف المزيد من الكراهية على هذه العالم".


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في أخبار