: آخر تحديث

حصاد الضبابية والغموض!

5
3
5

سادت الضبابية والغموض في المعلومات والبيانات عن الكويت في اللقاءات والحوارات التي جرت في العاصمة البريطانية في شهر فبراير 2025 مع نخب سياسية وبرلمانية وإعلامية وباحثين في مجال حقوق الإنسان.

لم تكن المهمة هذه المرة سهلة كما كانت إلى حد ما في العام 2024، بل كانت مرهقة لي من الناحية الذهنية وليس الزمنية، فقد تشعب العصف الذهني في مجلس العموم البريطاني Westminster Hall.

وللذين يتساءلون ما لي في حوارات بمجلس العموم عن الديمقراطية في الكويت ومستقبلها، وملفات أخرى. العلاقة، ببساطة، لها تاريخ حين بدأت عملي الدبلوماسي في العاصمة لندن منذ العام 2000 وحتى العام 2007، ولم تنقطع أو تخمل أو تتراجع علاقات العمل.

توجت مبادرتي الإعلامية التي حققتها الكويت وليس شخصي المتواضع في قيام مجموعة الكويت البرلمانية لأول مرة في تاريخ العلاقات الكويتية البريطانية، بعضوية ممثلين عن مختلف الأحزاب السياسية في البرلمان البريطاني.

لم تتكاسل الأهداف، ولم تتأثر وتيرة العمل، ولم تتراجع عملية التنسيق مع مراكز صناعة القرارات والسياسات البريطانية على عكس الحكومة الكويتية، التي أغلقت المركز الإعلامي في لندن في العام 2007 بقرار رئيس مجلس الوزراء حينذاك تعبيراً عن قصر نظر سياسي وإعلامي!

العمل العشوائي الكويتي له تاريخ، ولكي نفهم هذا التاريخ علينا الرجوع إلى حقبة واحدة، وهي تتعلق بالشيخ ناصر المحمد، رئيس الوزراء السابق، وهي حقبة لا علاقة لها بهذا الحصاد، لكنها، باختصار شديد، حقبة لا تحمل رؤية سياسية ثاقبة. 

كان النقاش عن ملف سحب جناسي مواطنات المادة الثامنة وظروفه، ليس كالألغاز، ولا المفاجآت التي تخرج من صندوق الساحر، فقد صاحب الحوار أسئلة عاصفة وتعليقات ساخرة!

كان من الممكن تفادي الاستفهامات البريطانية المشروعة عن سحب الجناسي وحقوق الإنسان بالحجج القانونية والسياسية، لكنني لم أملك حق الحديث نيابة عن الحكومة التي اهملت -كما يبدو- الابعاد الدولية لهذه الملفات!

اجتهدت في الإجابة على معظم الاستفهامات، والهروب، أيضاً، من الأسئلة والتعليقات التي قد تقود إلى المحظور السياسي، الذي قد يقصي ويشوه الهدف الشخصي النبيل من الحوار واللقاءات لصالح الكويت وطناً ومواطناً، والحكومة أيضاً.

يدركون البرلمانيون البريطانيون ظروف حل مجلس الأمة في  1976 و 1986، وارادوا مناقشة وتحليل الظروف والأسباب، لذلك بادرت في شرح ظروف تلك المراحل السابقة بالقدر الممكن، وركزت أيضاً على المبايعة بين الشعب واسرة الحكم منذ العام 1921.

تصور البعض أن نموذج الكويت يمثل نموذج الشورى، أي نموذج غير ديمقراطي حقيقي ودستوري، لكن وثيقة العام 1921 بين الشعب وأسرة الصباح الحاكمة كانت تمثل نضوج سياسي وثقافي لنموذج الشورى في الكويت قبل قيام دولة الدستور في العام 1962.

نموذج الشورى له تفسير سياسي متحفظ في الغرب، وربما الوصف الأمثل بالنموذج المتخلف، ولا يحظى هذا النموذج في تأييد البرلمان البريطاني، ولا يتماشى مع تاريخ الديمقراطية في هذا البلد العريق، المملكة المتحدة.

بهدوء واحترام جم، وجه أحد الحضور وهو برلماني بريطاني من أصول أسيوية من حزب العمال الحاكم، السؤال عن حجم التجاوزات غير الدستورية منذ صدور دستور 1962، فحصرت ردي في التاريخ السياسي الكويتي الموثق...نعم حصلت تجاوزات غير دستورية.

على مدى عقود تعرضت الكويت لهزات سياسية شتى أدت إلى تزوير الانتخابات في الستينات، واعتقالات، وحل غير دستوري لمجلس الأمة أكثر من مرة، لكن الشعب الكويتي لم يفكر أو ينشد الانقلاب السياسي أو العسكري على الشرعية أو نكران المبايعة الدستورية.

لم يقف الشعب الكويتي ضد القيادة السياسية الشرعية أبان الغزو العراقي، بل دافع عنها في أحلك الظروف وأشدها قسوة، وقد وثق التاريخ كل ذلك ...هكذا كان مجمل تعليقي وردي عن التجاوزات غير الدستورية.

تحدثت بشديد الأسف عن شراكة الحكومة ومسؤوليتها في حل مجالس الأمة وانحراف بعض نواب الأمة في استغلال الأدوات الدستورية، و "زحف" السلطة التشريعية بقيادة رئيسها خلال الفترة 2013-2020 على صلاحيات السلطة التنفيذية!

لخصت رأيي في أن المستقبل لا يقوم على قراءة رخوة للديمقراطية والنضال السياسي في الكويت، فالتحديات لا يحلها النكران، ولا يحلها النسيان، ومواعظ التغاضي أو عدم التركيز على هموم اليوم، ولا تبرير القسوة في معالجة الصدام بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

أيضاً، تناول الحوار ملف الجنسية، والهوية الوطنية، والتنوع الاجتماعي في الكويت وحقوق الإنسان، والبدون وحق التقاضي، واعتذرت بصراحة شديدة عن عدم التعليق لحساسية الموضوع والتوقيت، خصوصا في عدم وضوح المعلومات والاجراءات الخاصة بهذا الملف من جانب الحكومة الكويتية.

قبل ختام الحوار في البرلمان البريطاني، شددت على أنني أمثل نفسي وليس الحكومة، لكن هناك غيري كثر من الكويتيين الذين يؤيدون اجتهادي واهتمامي في الحوار مع مجلس العموم البريطاني، والنخب السياسية في المملكة المتحدة لكي تتبلور صور العمل الجماعي وتحديات الإصلاح السياسي.

على هامش الحوار البرلماني البريطاني، تفضل مبعوث المملكة المتحدة إلى الكويت للتجارة اللورد ماكنيكول Lord Iain McNicol في تبادل الرأي حول متطلبات تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين المملكة المتحدة والكويت، واتفقنا على تبادل وجهات النظر والرأي والمقترحات لصالح ازدهار العلاقات بين البلدين.

حصاد الحوارات واللقاءات يحتم المزيد من التفصيل ودقة التحليل في المستقبل القريب، لعل الحكومة تستفيد منها، وتنهي فصل الضبابية والغموض في السياسات والقرارات الحكومية.

*إعلامي كويتي


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في كتَّاب إيلاف