: آخر تحديث
‏الميتاهوية السياحية وبناء السرد الترفيهي

كيف تُعيد السعودية تشكيل معادلة الترفيه العالمي؟

4
3
3

‏لقد جرت العادة أن يُنظر إلى الترفيه بوصفه تابعاً للحياة، لا يتقدم عليها ولا يشارك في بنائها، حيث يُضاف إليها كما تُضاف الزينة إلى البناء المتين. ولكن هذه النظرة قديمة، قد تجاوزتها الأمم العظيمة التي جعلت من الترفيه صناعةً ثقافيةً واقتصاديةً تُعبر عن روحها، وترسم معالم هويتها، وتعزز من مكانتها بين الدول.
‏ 
‏وهنا يحق لنا أن نسأل: هل الترفيه نشاطٍ استهلاكي عابر، أم يمكن أن يكون ركيزةً حضاريةً تمثل هوية الدولة، وتعكس طموحها، وتُسهم في بناء اقتصادها وثقافتها؟
‏ 
‏وإذا كان الترفيه صناعةً قائمةً بذاتها، فهل يُمكن للسعودية أن تصنع أنموذجًا فريدًا لا يكتفي بمجاراة ما هو قائم، وإنما يُعيد تعريف معادلة الترفيه العالمية؟
‏ 
‏الميتاهوية السياحية Meta-Tourism Identity: حين يصبح الترفيه تجربةً وهويةً معًا
‏لعل أول ما يجب أن نقرره هو أن السياحة التقليدية لم تعد كافيةً في العصر الحديث. إن الزائر لم يعد يبحث عن مجرد أماكن يقصدها، وإنما ينقب عن تجربة متكاملة يشعر فيها أنه جزءٌ من الحدث، وليس مجرد متفرج عليه. وهنا يظهر مفهوم الميتاهوية السياحية، وهو المصطلح الذي يعبر عن انتقال السياحة من كونها تجربة مكانية إلى كونها هويةً متكاملة تمتد عبر الزمان والمكان.
‏ 
‏والسعودية اليوم تقدم أنموذجًا متفردًا لهذه الفكرة؛ فهي لم تكتفِ ببناء مشاريع ترفيهية ضخمة فحسب، ولم تقتصر -فقط-على استقطاب الفعاليات العالمية، وإنما جعلت من الترفيه نسيجًا ممتدًا في مختلف مناطقها، بحيث تكون المملكة كلها فضاءً ممتلئًا بالتجارب المتنوعة ومُتَلأْلئ بالمواسم المستمرة.
‏ 
‏ولذلك، لم تعد المملكة تُسوق لمكانٍ بعينه، وإنما تُبشر بسردية ترفيهية كاملة، تجعل الزائر يشعر بأنه يعيش تجربة متجددة لا تتكرر.
‏ 
‏السرد الترفيهي Entertainment Narrative: كيف يصبح الحدث جزءًا من قصة ممتدة؟
‏إنّ من طبيعة الإنسان أن يبحث عن القصص، ويرغب في أن يكون جزءًا من حكاية تتجاوز اللحظة التي يعيشها. ومن هنا، فإن الترفيه الناجح قصةٌ تمتد، وتجربةٌ تتكرر، وذاكرةٌ تبقى في ذهن من عاشها وليس مجرد لحظة انبهارٍ سرعان ما تنطفئ.
‏ 
‏وهذا ما نجده في مواسم السعودية الكبرى، مثل موسم الرياض، الذي يُنظر إليه بوصفه فعاليةً ترفيهيةً وحدثاً يمتد عبر الزمن، ويتطور عامًا بعد عام؛ ليصبح جزءًا من ذاكرة المجتمع والزائر معًا. وهنا يبرز الفرق بين الترفيه التقليدي، الذي يقوم على تقديم العروض والفعاليات، وبين السرد الترفيهي، الذي يجعل الفعالية جزءًا من قصةٍ ممتدة، تجعل الزائر ينتظر الفصول القادمة منها، كما ينتظر القارئ تطورات الرواية التي بدأ في قراءتها.
‏ 
‏رؤية 2030: الترفيه كأداةٍ اقتصادية وثقافية
‏لقد كان من الشائع أن تُصنف الدول بناءً على مواردها الاقتصادية، فيقال إن هذه الدولة تعتمد على النفط، وتلك تعتمد على السياحة، وأخرى تعتمد على التصنيع، وكأن الاقتصاد مقيدٌ بمصدر واحد لا يُمكن تجاوزه. ولكن الرؤية الحديثة للاقتصاد تؤكد أن التنويع مفتاح النجاح، وأن الاقتصاد الذي يعتمد على موردٍ واحدٍ هو اقتصاد هشٌ مهما بدا قويًا.
‏ومن هنا، جاءت رؤية 2030 لتؤكد أن الترفيه جزءٌ أساسي من الاقتصاد السعودي الجديد. فاليوم، تتجاوز الاستثمارات في المشاريع الترفيهية 64 مليار دولار، ومن المتوقع أن يُسهم هذا القطاع في رفع الناتج المحلي الإجمالي من 3% إلى 6% بحلول 2030، مما يجعله قطاعًا إستراتيجيًا لا يقل أهمية عن الطاقة والصناعة.
‏ولكن الأثر الحقيقي لهذا التحول يُقاس بالأرقام ويُقاس -أيضًا- بتأثيره على جودة الحياة، وعلى تعزيز الهوية الوطنية، وعلى وضع المملكة في موقع الريادة العالمية في صناعة الترفيه.
‏ 
‏السعودية لا تستهلك الترفيه… بل تصنعه وتصدره
‏لقد كان الشائع في الماضي أن يكون الترفيه مستوردًا، وأن تُنقل الفعاليات من الخارج، وأن تبقى الدولة مجرد مستهلك لما تنتجه المراكز الترفيهية الكبرى في العالم. ولكن السعودية اليوم أصبحت تصنعه بمعاييرها الخاصة، وتعيد تعريفه وفقًا لرؤيتها وهويتها.
‏ومن هنا، فإن السؤال لم يعد: هل تستطيع السعودية أن تنافس الوجهات الترفيهية الكبرى؟ وإنما أصبح: كيف استطاعت أن تتجاوزها؟
‏إن مقارنة بسيطة بين موسم الرياض والمهرجانات العالمية الكبرى تكشف أن السعودية تسير بخطواتٍ أسرع من المتوقع، وأنها تضع معايير جديدة تجعلها الوجهة الترفيهية الأهم في المستقبل القريب.

‏تركي آل الشيخ… حين يصبح الترفيه مشروعًا وطنيًا
‏إنّ المشاريع الكبرى تُبنى بالقرارات وتحتاج إلى رؤيةٍ تُحسن قراءة الحاضر، وإلى إرادةٍ تُجيد صناعة المستقبل، وإلى عقلٍ يربط بين الفكرة والتنفيذ، فيجعل من المستحيل واقعًا. وهنا يظهر اسم تركي آل الشيخ، الرجل المسؤولٍ عن قطاعٍ جديد... كان مهندس التحول الترفيهي في السعودية، وصاحب الرؤية التي جعلت من الترفيه مشروعًا وطنيًا يُعيد تشكيل الهوية الاقتصادية والثقافية للمملكة.
‏لقد كان يمكن للترفيه أن يبقى مجرد فعاليات موسمية، لكن عبقرية تركي آل الشيخ جعلته سردية ممتدة، تتجدد عامًا بعد عام، وتتحول من تجربةٍ محلية إلى أنموذجٍ عالمي. لم يكن الهدف تنظيم مهرجانات، بل صناعة حالة ترفيهية متكاملة، تتجاوز الفكرة التقليدية للمتعة، وتصبح جزءًا من اقتصاد الدولة وقوتها الناعمة وتأثيرها الثقافي.
‏وإذا كان التاريخ يحفظ أسماء القادة الذين أحدثوا تحولات اقتصادية وسياسية، فإنه سيحفظ أيضًا أسماء الذين صنعوا التحولات الثقافية، وأعادوا تعريف مفاهيم الهوية والاقتصاد والرفاهية. ففي زمنٍ وجيز، استطاع تركي آل الشيخ أن يُثبت أن الترفيه صناعة لا ترفًا ولا نشاطًا عابرًا، فهو مشروع دولة وقوةٌ تُعيد رسم صورة المملكة في عيون العالم.

‏التحديات والفرص: ماذا بعد؟
‏لا شك أن هذا التحول الضخم يواجه تحديات كبيرة، لعل أهمها:
‏ضمان استدامة المشاريع الترفيهية، بحيث تكون جزءًا دائمًا من الاقتصاد السعودي؛ لا طفرة مؤقتة.
‏وتطوير محتوى ترفيهي محلي ينافس عالميًا، ولا يقتصر النجاح فيه على استقطاب الفعاليات، وإنما يمتد إلى صناعة المحتوى نفسه.
‏ومواكبة التطورات التكنولوجية في الترفيه، مثل الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي، لضمان أن تبقى السعودية في مقدمة الدول المبتكرة في هذا المجال.
‏وهذه التحديات فرصٌ للنمو والتوسع، وهي ما يجعل المستقبل السعودي في الترفيه أكثر إثارةً وإمكانات.
‏ 
‏السعودية تُعيد تعريف معادلة الترفيه العالمي
‏لقد كان يُقال إن الترفيه في المنطقة العربية مجرد استنساخٍ لما يقدمه الغرب، ولكن السعودية اليوم تثبت أنها صانعة له، ومصدرٌ لتصديره، ومحددٌ لمعاييره المستقبلية. فهي قوة ثقافية وترفيهيةً تُعيد رسم المشهد السياحي العالمي.
‏وإذا كان السؤال في الماضي: هل تستطيع السعودية أن تنافس لاس فيغاس وباريس؟
‏فإن السؤال اليوم هو: كيف تجاوزتها؟
‏إنها ليست مجرد مواسم ترفيهية… إنها قصة تُكتب، وهوية تُصنع، ومستقبل يُعاد تشكيله.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في كتَّاب إيلاف