يمثل شهر شباط (فبراير) 1999 التاريخ الذي اهتزت له عاصمة الضباب الإفريقية نيروبي، عندما حُبست أنفاس رجلٍ صنع للكورد أملاً يتجاوز الجغرافيا والسياسة. لم يكن اعتقالاً فقط، بل كان إعلاناً صريحاً بأن هناك من يرفض وجود أي زعيمٍ يحمل مشروعاً لأبناء جلدته من الكورد، زعيم يؤمن بشعبه أكثر مما يؤمن بحسابات القوى الكبرى، وهذا ما ثبت من تصرفاته وتصريحاته، سواء اتفقت معها أو اختلفت. كان المشهد أكبر من مجرد مطاردة، بل كان امتداداً لحرب غير معلنة على كل حركة كوردية ترفض الانحناء للنظام الحاكم، سواء في إيران أو تركيا أو العراق أو سوريا. لكن، هل انتهى أوجلان في تلك الليلة؟ بالعكس تماماً!
لقد وُلِد مرة أخرى بطريقة لا يفهمها الذين قيدوا يديه، لم يدركوا أنَّ الزنازين ليست سجناً للعقول، وأن القادة الشعبيين لا يُطوَّعون بالقوة، بل يتحولون إلى أفكار عصية على الانكسار!
في جزيرة إمرالي، تلك البقعة المعزولة عن العالم، ظنوا أنَّهم دفنوا مشروعه، لكنهم في الحقيقة منحوه فرصة ليكون أكثر تأثيراً وتألقاً وأوسع انتشاراً.
منذ ذلك اليوم، لم يعد أوجلان مجرد زعيم سياسي، بل تحول إلى ظاهرة عابرة للحدود، مؤثرة في المشهد العالمي الموازي، حيث لم تعد أفكاره ملكاً للكورد فقط، بل أصبحت إلهاماً لكل من يبحث عن الحرية. في عصر العولمة، لم يعد بإمكان أحدٍ احتكار السلطة المطلقة، ولم تعد الشعوب تقبل بتفسير واحدٍ للتاريخ، وهنا يظهر التأثير الحقيقي لأوجلان: إعادة تعريف المقاومة في زمنٍ تغيرت فيه أدوات الصراع.
إقرأ أيضاً: رشيد الخيون… حفّار الزمن ومروض الأسئلة
في سجنه، كتب وألّف وأعاد تشكيل الرؤية الكردية للحل كما يعتقد، ولم يكن سجيناً بالمعنى التقليدي، بل كان مفكراً يخطط لعالمٍ جديد يكون للكورد فيه أكثر من موطئ قدم. خلال السنوات التي قضاها بين الجدران، كان يتجاوز حدود سجانيه، يتحول إلى مرجعية فكرية ليست فقط للكورد، بل لكل شعب مقهور يبحث عن هوية وسط عالمٍ يرفض الاعتراف به. في الوقت الذي كانت فيه الأنظمة التي حاربته تعيد تدوير خطاباتها القديمة عن السيطرة، كان أوجلان يبتكر خطاباته الخاصة التي تتحدث عن التعايش، الديمقراطية، وحق تقرير المصير دون الوقوع في فخ الحروب الجدلية البيزنطية.
لم يكن تأثيره محصوراً في الشرق الأوسط فقط، بل وصل إلى أماكن لم يكن الكوردي يتخيل أن يكون جزءاً من معادلاتها. لقد أصبح اسمه رمزاً دولياً في الأدبيات الثورية الحديثة، تماماً كما دخل مانديلا وغاندي قبله. الفارق أن أوجلان لا يزال محتجزاً، مما يجعل السؤال أكثر إلحاحاً: إلى متى سيبقى هذا الرمز الكوردي خلف القضبان؟
اليوم، وبعد 26 عاماً من اعتقاله، يتساءل العالم: هل يعيد التاريخ نفسه ولكن بطريقة أخرى؟ هل يمكن أن تُكسر القيود أخيراً، لتعود الأسطورة إلى مسرح الأحداث؟
إقرأ أيضاً: عذراً ابن خلدون والوردي.. علم الاجتماع ليس علماً!
هل سيتم الإفراج عنه قريباً؟ أم أن النظام التركي لا يزال مصمماً على منع ولادة حرية جديدة؟
لقد أثبت التاريخ أنَّ الزعماء الذين يُعتقلون لأسباب سياسية لا يذوبون في غياهب السجون، بل يعودون أقوى وأكثر تأثيراً. فهل يكون أوجلان القادم من عزلته، الصاعقة التي تعيد تشكيل القضية الكوردية من جديد؟ أم أنه سيغدو "مانديلا الكورد"، يخرج من السجن ليقود أناضولاً جديدة، تلك التي إن لم تقتنع بحل مستدام للقضية الكوردية، فإنَّ تركيا ستنحصر في حدود الأناضول، وتسير برجلها نحو التقسيم، كما حذّر أوجلان في آخر إطلالته؟