: آخر تحديث
قصيدة

حينما أنهض من موتي

4
5
4

كُلَّ يومٍ
حينما أنهضُ من مَوْتي
وأغتالُ سُباتي
كُلَّ يومٍ
حينما أنهضُ طَوْعًا
لاحتضارٍ يتمادى في حياتي
شاربًا دَمْعي
ومُقتاتًا فُتاتي
حاملًا نَعْشي
على متنِ الرُّفاتِ
لي نهارٌ يلبسُ الظُّلْمةَ ثوبًا
ويُعيرُ الشَّمسَ
وجهًا من مماتي
أطويَ الأيّامَ والمنفى طريقي
والمدى سجنٌ وقيدٌ في لغاتي
كلّما أسرجتُ للأحلامِ خيلًا
أَسقطَ اليأسُ شعاعَ الأمنياتِ
إنَّني جرحٌ تمشّى فوقَ أرضٍ
ضاقَ عنها الصدرُ
في كُلِّ الجهاتِ
هكذا تمضي حياتي
مِثلَ لغزٍ
في صباحاتي الشَّقيَّة
في لياليَّ المُمِلَّة
وسُوَيْعاتي الغبيَّة

كُلَّ يومٍ
حينما أخرجُ من صَمْتي
وتهتزُّ رُفاتي
لتُزيلَ الوَهْنَ عن نفسي وذاتي
وتُحطِّمَ كُلَّ أغلالي الخفيَّة
فأرى نفسي كأنّي
عِشْتُ دهرًا في عُصورٍ جاهليَّة
حيثُ صَلْبُ الفِكْرِ فينا مذهبيَّة
واغتيالُ الحُلْمِ سَحْقًا أبديَّة
تعبدُ الأصنامَ في زيِّ الضَّحيَّة
ويُباعُ الطُّهْرُ في سوقِ القضيَّة
بَيْدَ أنّي كُلَّ يومٍ أتمزَّقُ
كُلَّما أشعرُ أنّي
في صراعٍ مع أوجاعٍ خفيَّة
منذُ أن أبصرتُ نورَ الشمسِ حتّى
أقبلَ الليلُ على أنقاضِ عُمْرٍ
منه غِيضَ
ربما لم يتبقَّ
غيرُ نَزْفٍ
جفَّ في أجفانِ فَجْرٍ
غيرُ قَبْرٍ
ضاقَ في أحضانِ صَدْرٍ
منذُ ذاكَ الحينِ حتّى
هذه اللحظةِ
من ساعاتِ أيّامي الغبيَّة
ثَمَّ قَيْدٌ فوقَ عَيْنيَّ
وقَيْدٌ في فَمي
وآخَرُ في مِعْصَمي
بل وحتّى قَدَمي
كُلُّ أفكاري وأحلامي
وحتّى الأُمنياتُ المخمليَّة
أصبحتْ رهينةً بينَ أيادٍ بربريَّة
تجعلُ الأجسادَ حَطَبًا في المَواقِدْ
تغرسُ السكينَ في قلبِ المَعابِدْ
فتُحيلُ العُمْرَ نَزْفًا
في جِراحٍ سَرْمَديَّة
وتُقيمُ الحَشْرَ في نَفْسٍ زكيَّة

كُلَّ يومٍ
حينما أنهضُ من مَوْتي
وتهتزُّ رُفاتي
صُوَرٌ من ذكرياتي تتكرَّر
ربما قد تختفي
ربما في صورٍ أُخرى تعود
ربما لا تتغيَّر
غيرَ أنَّ الحُزْنَ أضحى سِمَةً
تجمعُ ما بينَ الصُّوَر
حيثُ ما زلتُ أسيرًا
في بلادٍ مَشرقيَّة
تلدُ الأحرارَ في جَوْفِ المنافي
تطحنُ الأرواحَ في صَمْتٍ خُرافي
لتُزِفَّ المَوْتَ عُرْسًا للهويَّة
غيرَ أنّي لستُ وحدي
خلفَ أسوارِ الظَّلامِ المَعْدنيَّة
فأنا أَحْمِلُ مَوْتي وحياتي
في بقايا كلماتٍ
تحتوي كُلَّ الحروفِ الأبجديَّة
وأُخبِّئُ بينَ طيَّاتِ رِدائي
أُغنياتٍ للعدالة
وترانيمَ السَّلام
وأناشيدَ وألحانًا شجيَّة
ويضمُّ القلبُ عِشْقًا
لا يضاهيهِ كلامٌ
شامخًا بالرغم من انكساراتِ السنين
ثائرًا بالحُبِّ في وجهِ الأنين
ناحتِ القمصانُ من صَبْري عليها
فالأماني كبَّلوا منها يَدَيْها
واستحلّوا ذَبْحَها
عبرَ فتاوىً نرجسيَّة

إنَّ صَبْري ثَوْرَةٌ والحَقُّ فاصِلٌ
أَحْمِلُ الإِصْرارَ في نَفْسٍ أَبِيَّة
فأنا لستُ وحيدًا
بينَ جدرانٍ عصيَّة
فمعي فِكْري وعِشْقي وصلاتي
ومعي كُلُّ شعاراتِ السَّلام
أُلْقِيَ القَبْضُ عليها
بحِرابِ البُنْدقيَّة
ومعي حتّى العدالةُ
قد أُدينتْ في محاكمَ صوريَّة
والأماني صُلِبَتْ فوقَ الجبين
تحتَ قَهْرٍ وخيالٍ ومَجونٍ
فاستفاقَ الحُزْنُ
في مَجْرى دَمي
واستجارَ الصَّمْتُ
من صَمْتِ الفَمِ
صارَ هذا الكَوْنُ سِجْنًا ضيّقًا
وتلاشتْ فيهِ أسرارُ الضحايا
خلفَ قضبانٍ من الظلمِ خفيَّة
نحنُ قتلى
لم نَمُتْ جهرًا ولكن
نحملُ الأوجاعَ صبحًا وعشيَّة
نكتبُ الآلامَ شعرًا ونُغنِّي
لجراحٍ لم تزل حيَّةً وفيَّة
فأتينا نشتكي للعدمِ
عن سنينٍ باتتِ الآنَ قصيَّة

أيُّها المَوْتُ الذي يسكنُ ذاتي
يا رفيقًا لم يزل رَهْنَ حياتي
قد كفى هذا المدى
زَيْفًا وقهرًا
قد كفى عُمْري
أوجاعًا وسهرًا
سوفَ أمضي حاملًا
صَمْتي وعِشْقي
ناحتًا بالصبرِ
في الجدرانِ حقّي
أنا حقٌّ
ثارَ في وجهِ المَنايا
يصهرُ القيدَ ويُذكي العاصفاتِ
إنَّ صمتي
لم يكن عجزًا ولكن
قوَّةُ البركانِ تخبو في الثَّباتِ
غيرَ أنَّ الفجرَ في فجري ذبيحٌ
والأماني نُطْفةٌ في كفِّ ريحٍ
ليس لي إلا ارتحالي في الرَّدى
بعدما تاهَ عن الدَّرْبِ الصَّدى
ولأعانقَ بَرْدَ نَعْشي صامتًا
بعدما ضاقَ بآهاتي وصولي
من هنا يبدأُ مَوْتي
كُلَّ يومٍ
في احتضاراتٍ جديدةٍ
وصراعاتٍ تمزِّقُ
كُلَّ ساعاتي الغبيَّة
في صباحاتي الشَّقيَّة


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات