إيلاف- تيخوانا (المكسيك): قبل أن يواجه المنتخب الإيراني نظيره النيوزيلندي في مستهل مشواره بمونديال 2026، تبدو المعركة الأولى لـ«تيم ملّي» سياسية أكثر منها كروية. فطهران تخشى أن تتحول مدرجات لوس أنجليس إلى منصة لمعارضي الجمهورية الإسلامية، فيما تطالب الاتحاد الدولي لكرة القدم بمنع ظهور أعلام وشعارات ترى فيها تحدياً مباشراً للنظام.
وقال رئيس الاتحاد الإيراني لكرة القدم مهدي تاج، السبت، إن على «فيفا» أن يتحمل مسؤوليته في تطبيق لوائح البطولة، مؤكداً أن إيران أبلغته بالعلم الرسمي الذي يفترض، وفق الموقف الإيراني، أن يكون الراية المعتمدة داخل الملعب.
وأضاف تاج، في تصريحات لوكالة فرانس برس على هامش حصة تدريبية للمنتخب في تيخوانا المكسيكية: «فيفا مسؤول وفقاً للبروتوكولات»، مشيراً إلى أن أحد هذه البروتوكولات يقضي، بحسب قوله، بظهور العلم الرسمي لكل دولة.
غير أن لوائح «فيفا» لا تنص ببساطة على حصر المدرجات في الأعلام الرسمية للدول؛ فهي تسمح بإدخال الأعلام واللافتات ضمن قيود تتعلق بالحجم والسلامة، وتحظر المواد التي تعدّها سياسية أو مسيئة أو تمييزية. والمشكلة، كالعادة، تبدأ عند تحديد ما هو «سياسي»: فالعلم الذي تراه طهران رمزاً معادياً قد يراه حامله تعبيراً عن هوية إيران السابقة للجمهورية الإسلامية.
مباراة تبدأ في الشارع
ومن المقرر أن تصل بعثة المنتخب الإيراني إلى لوس أنجليس الأحد 14 يونيو، على أن تواجه نيوزيلندا في اليوم التالي ضمن منافسات المجموعة السابعة.
ولا تُعدّ المدينة الأميركية محطة محايدة بالنسبة إلى طهران. فلوس أنجليس تحتضن أكبر تجمع للإيرانيين خارج إيران، حتى إنها تُعرف أحياناً باسم «طهرانجليس»، فيما ينتمي قطاع واسع من أبناء الجالية إلى تيارات معارضة للجمهورية الإسلامية. وتأتي المباراة أيضاً في ظل الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وما رافق مشاركة المنتخب من نزاعات بشأن التأشيرات وترتيبات السفر.
وتستعد منظمات إيرانية معارضة لتنظيم احتجاجات حول ملعب المباراة، فيما أعلن بعض الناشطين نيتهم رفع العلم الإيراني السابق للثورة الإسلامية، بألوانه الخضراء والبيضاء والحمراء وشعار الأسد والشمس.
وكان محتجون إيرانيون في لوس أنجليس قد طالبوا «فيفا» بإقصاء المنتخب من البطولة، متهمين السلطات باستخدام مشاركته لتجميل صورة النظام. كما أكد بعضهم عزمه إدخال أعلام ما قبل الثورة إلى الملعب، رغم احتمال اعتبارها مواد سياسية محظورة.
وظهرت ملامح الاستقبال الذي قد ينتظر المنتخب خلال حفل افتتاح مباريات لوس أنجليس، إذ سُمعت صيحات استهجان لدى مرور العلم الإيراني في الملعب. لذلك لن تكون مواجهة نيوزيلندا اختباراً لقدرة اللاعبين على احتمال الضغط الرياضي فحسب، بل لقدرتهم على اللعب وسط انقسام إيراني انتقل من الشوارع إلى المدرجات.
تهديد بإيقاف المباراة
وكان وزير الرياضة الإيراني أحمد دنيامالي قد حذّر من ظهور أعلام أو شعارات معادية للجمهورية الإسلامية، ملوّحاً بإمكان إيقاف المباراة إذا سمح بدخول رموز تعتبرها طهران استفزازية.
كما يُتوقع أن يطلق بعض المحتجين صافرات الاستهجان أثناء عزف النشيد الإيراني، في مشهد سبق أن ظهر خلال مونديال قطر عام 2022، حين كانت إيران تشهد احتجاجات واسعة أعقبت وفاة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق.
وقال تاج إن الاتحاد الإيراني أبلغ «فيفا» بمخاوفه، مضيفاً أن الاتحاد الدولي أبدى تعاوناً وحاول معالجة بعض المشكلات، فيما بقيت قضايا أخرى عالقة.
وتابع: «أبلغنا فيفا بالعلم الرسمي لبلادنا، وهو يبذل جهوداً لحل المشكلات»، قبل أن يقر بأن الحلول لم تشمل جميع الملفات، معرباً عن أمله في تحسن الظروف.
فريق بين الحرب والتأشيرات
ولا تنفصل أزمة الأعلام عن الضغوط الأوسع التي أحاطت بمشاركة إيران. فقد بدا حضور المنتخب في البطولة موضع شك لبعض الوقت، فيما نُقل معسكره من توسان في ولاية أريزونا إلى تيخوانا المكسيكية بسبب المشكلات الأمنية وتعقيدات دخول عدد من مسؤولي الاتحاد إلى الولايات المتحدة.
وتدرّب المنتخب في المكسيك، على أن يعبر الحدود جواً لخوض مبارياته في لوس أنجليس وسياتل. وقالت تقارير إن 15 عضواً في الاتحاد الإيراني لم يحصلوا على تأشيرات دخول، بينما سمحت السلطات للاعبين ومعظم أفراد الجهاز الفني بالسفر للمشاركة في المباريات.
وهكذا تدخل إيران مباراتها الأولى وهي مطالبة بمواجهة خصم في الملعب وجمهور منقسم خارجه وسلطة سياسية في طهران تريد من «فيفا» أن يضمن لها ما لا تضمنه البطولات عادة: مدرجات بلا سياسة.
لكن كأس العالم، مهما بالغ منظموه في الحديث عن وحدة الشعوب، لا يمحو خلافاتها عند بوابات الملاعب. وفي لوس أنجليس تحديداً، قد يكون العلم المرفوع في المدرج أكثر إثارة للجدل من النتيجة المعلّقة على لوحة الملعب.


