: آخر تحديث
قصيدة

مدن الأشجار المكتظة

3
2
3

سافرتُ في سفينة النبي نوح
مرتجلاً قصائد عن التاريخ والألواح
قوافلٌ من كل صنفٍ وفروعٌ من بشر
وكانت المقاعد الأبنوس بالألوان
حمراء، أو صفراء، أو خضراء، أو سوداء، أو رمادية
مملوءةً الخيول والصبايا والصبيان
وكان نوح باحثًا عن حائط يأجوج ومأجوج
يقود ثلةً من الشبان في التقديس والترتيل
"سخر لنا الرياح
يا ربنا العزيز"
لا تهدمَ السد البغيض
لأنها نهاية
وكنت جالسًا أرتل الدعاء
أعيد ما قرأت في شغف المسامير على الجدران
وفي المسلات القوانين القديمة
ثم غفوتُ صائمًا عن الكلام
كي لا أرى نفسي دليلًا
أجوبُ راحلًا
في المدن السبأ
وألطمُ الوجه العصي في العزاء
دعست حالتي هباءً
وتائهًا في غرف القير السعير
ورحت راكضًا وباحثًا
عن صالة الحطاب في الغياب
هرمتُ من قلقي ومن صوت النحيب
هرمت واقفًا ولا سقوط
نحيبٌ لا مجيب لا خطيب
وقلت يا حطاب يا فتى
يا قاطع الأجساد والظلال
في مدن العميان والنساء
تموء كالقطط الأليفة في البيوت
أشجار غابات الجبال تقلق من نذير
لأنهم نقشوا مقابض الفؤوس بالرؤوس
في كل فأسٍ قاتلٍ مأجور
وجمّلوا مسارح المدينة الرعناء بالدماء
عبدوا التماثيل الغبية
لكل وجهٍ مسرحًا مجبولًا بالحناء
ومن النصوص سُلّم التاريخ معقول
ولكل فعلٍ ردةٌ من شاهق
ومطلبٍ معلول
والناس صاحوا في ثبور
يا رب هذه الفأس في المحراب
يا خالق القطع وقاطع الألقاب
"سخر لنا الرياح" في مدن الضباب
واكشف لنا البحار
وافتح لنا الطريق
كي نهزم الغول التتار
إني هنا لا ماء ينقذنا ولا سماد
فالأرض عندنا خواء
ثمرًا من العث رماد
عش الغراب قامتي
ومسكنًا لنعيقه المرتاب
إني هنا شجرٌ من المطاط
أنهكها الهرم العقيم
بالفأس هيا لا تؤخرني
واجعل قامتي رفيقة الندم
حتى تُقطّع وقفتي
كقول أشجار البراري في الرياح
يا ريح هزيني ولا تستري عقمي
فهذه الأغصان من جسدي رماد
فإن بقت مصفرةً
صار الحديد سلاسلًا ومسلةً مصغرةً
والشعر في رحم الصحاب معفرة
يا أيها الحطاب أنقذني من العذاب
فأنا أشيخ دوائرًا مستعرةً
وذابلًا أصيح
يأخذني ارتياب
جسدي ضلوع يابسات
تشدّه حبالٌ من يباس
من قنبٍ محفوظ في القباب
أليس أشجار الشتاء ظلالٌ من ورقٍ نحيف؟
تموت في صمتٍ ومن سكوت
تموت واقفةً كالتوت
تنبض من أسى
والناس كالمقلاة في صيفٍ جحيم
من كثرة الترنيم والتنجيم في الخفاء
وأنا أشح من العطاء
مصاحبًا نوح النبي إلى اليباس
وناسيًا طوفانه العقيم
أبحثُ في الأشجار عن معنى يقاس
والناس من رحم الخيال
تذبل كالأوراق في عز التماس
لتعرف الأحياء كالأموات
وتسخر الحياة من حياة الراقدين
الفاقدين
في ارتياب
النائمين على التراب


** قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجًا على أن تجعل بيننا وبينهم سدًا (قرآن كريم) وقيل هم من علامات القيامة ونهاية العالم.

** فيديريكو غارثيا لوركا: أيها الحطاب / اقطع ظلي / خلصني من العذاب

** الشاعر والمسرحي الإسباني أليخاندرو كاسونا وُلد عام 1903 وتوفي عام 1965، مسرحيته "الأشجار واقفة تموت" كان من أبرز رواد المسرح السريالي والفانتازيا في القرن العشرين


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات