: آخر تحديث

الكتابة في عصر الذكاء الاصطناعي: إعادة تعريف "الكاتب"

10
13
8

منذ أن تعلمت الطباعة على الكمبيوتر بإصبع واحد، ودخلت عالم النشر الإلكتروني عام 2003، أصابني شغف "الرقمية". أسست موقعًا ثقافيًا إلكترونيًا ثم طورته إلى جريدة. طورت فكرة المدونات وجعلتها جريدة، حين عملت مطورًا في أهم جريدة إلكترونية عربية. حولت دار النشر التي شاركت في تأسيسها إلى النشر الرقمي بدلاً من الورقي، واعتمدنا أسلوب الطباعة عند الطلب. وحين ظهرت الشبكات الاجتماعية، كنت من أوائل العرب المسجلين فيها. كتبت دراسة عن النشر الإلكتروني صارت مرجعًا لعدد من رسائل الماجستير العربية لندرة الكتابة في هذا الحقل. تولدت لدي عشرات الأفكار المبتكرة التي كانت تحتاج إلى تمويل لا أملكه في قطاعات مختلفة، فلم أنفذها ونفذها آخرون لاحقًا لأنها وليدة حاجة. حين دخلت تقنية البلوكشين، جعلت رسالتي في ماجستير الصحافة الدولية، الذي درسته متأخرًا، عن تطويع هذه التقنية لتمويل الصحافة البناءة والمستدامة.

حين ظهر الذكاء الاصطناعي، كنت أعمل على مشاريع كتابية، فتأخرت عن استخدامه. بدأت باستخدامه ثم درسته، وحصلت على شهادات معترف بها في الذكاء الاصطناعي عبر الدراسة أونلاين.

الكتابة قبل الذكاء الاصطناعي

أتأمل العداء الشديد للكتابة الأدبية والصحفية بمساعدة الذكاء الاصطناعي، علمًا أن الجامعات المرموقة، كجامعة هارفارد وجامعات أخرى، لم تحرّم الاستعانة في الأبحاث بأدوات الذكاء الاصطناعي، وانصرفت بدلاً من ذلك إلى إنتاج أدلة لاستخدامه للباحثين والطلبة. وهو ما يعكس وعيًا عمليًا بتحولات البشرية، ويكشف لماذا بقيت هذه الجامعات في الصدارة دومًا.

حسنًا، مرت البشرية في علاقتها بالكتابة بسلسلة من الثورات التي لم تغيّر طريقة تسجيل الكلمات فحسب، إنما غيّرت علاقتنا بالمعرفة نفسها.

بدأ الأمر، إذا جاز التعبير، باختراع اللغة. أصبح الإنسان، الذي أدرك العالم من حوله، قادرًا على تسمية الأشياء في هذا العالم، وتحويل التجربة إلى كلمات، ونقل ما يعرفه إلى شخص آخر.

ثم جاءت الكتابة التصويرية. لم يعد المعنى حبيس الذاكرة والصوت، بل أصبح بالإمكان تثبيته خارج الإنسان. يستطيع شخص غائب أن يترك رسالة لشخص لم يولد بعد.

عندما اخترع السومريون الكتابة عبر نظام الكتابة المسمارية، انتقلت الكتابة من العلامة والصورة إلى نظام أكثر تعقيدًا يستطيع تسجيل اللغة والمعاملات والقوانين والحسابات والنصوص. أصبحت الكتابة أداة للدولة والاقتصاد والقانون وحفظ المعرفة.

حين جاءت الأبجدية، اختزلت نظام الكتابة إلى عدد محدود من العلامات التي يمكن تركيب الكلمات منها. كانت خطوة هائلة في تاريخ الكتابة، لأنها جعلت تعلمها واستخدامها أكثر سهولة وانتشارًا.

ثم جاءت ثورة الورق. قد يبدو الورق اليوم شيئًا عاديًا إلى درجة أننا لا نفكر في أهميته، لكنه كان ثورة في تاريخ الكتابة. مادة أخف وأسهل في النسخ والحمل والحفظ والتداول، ومعها تطورت الخطوط والمخطوطات وتقاليد الكتابة.

قاد الورق إلى المطبعة. هنا تجاوز دور الكتاب حفظ النصوص المنتجة وتوزيعها على نطاق محدود، وأصبحت الكتب تنتج بكميات كبيرة، وأصبح الكتاب قابلًا للتكثير بسهولة، وانتقلت المعرفة من عالم النسخ المحدود إلى عالم الانتشار الجماهيري.

حين جاء الكمبيوتر، تحرر النص من مادته للمرة الأولى. لم تعد الكلمة حبرًا على ورق، أصبحت بيانات يمكن تعديلها وحذفها ونسخها وتخزينها خلال لحظات. ولدت شبكة الإنترنت من رحم الكمبيوتر، فأصبح بإمكان الكاتب أن ينشر من دون مطبعة، ومن دون مؤسسة إعلامية، ومن دون وسيط بالضرورة.

تعمدت ذكر هذه المراحل المعروفة، والتي لم أقدم في عرضها أي شيء جديد، لأقول: وفي كل هذه المراحل ظل هناك شيء ثابت: الإنسان هو الذي يكتب. كانت التكنولوجيا تساعد الكاتب، لكنها لم تكن تكتب بدلاً منه.

الكتابة في عصر الذكاء الاصطناعي

جاء الذكاء الاصطناعي من رحم الإنترنت وشيوع التطبيقات التي تساعد البشر في كافة مجالات الحياة على إنجاز أعمالهم بسرعة وكفاءة أعلى. تغيرت القاعدة التي ثبتت لآلاف السنين: الكاتب هو الذي يكتب. الذكاء الاصطناعي لا يساعد الإنسان على الكتابة فقط، إنه يستطيع إنتاج النص نفسه: مقالًا، وقصة، وتقريرًا، وملخصًا، وقصيدة، وسيناريو، وحتى كتابًا كاملًا، إضافة إلى الأفلام والمسلسلات وغيرها من الوسائط الرقمية المتعددة.

للمرة الأولى أصبح لدينا طرف غير بشري يستطيع المشاركة في عملية إنتاج النص. من هنا ولد السؤال عن دور ووظيفة الكاتب في عصر الذكاء الاصطناعي. السؤال الذي صار مطروحًا بعد شيوع الكتابة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي: من هو الكاتب في عصر الذكاء الاصطناعي؟ السؤال يقتصر على الكاتب هنا، لكنه ينطبق على كل منتج لمحتوى.

هل أصبح الكاتب مجرد شخص يجيد كتابة الأوامر؟ يقول للآلة: اكتب مقالًا عن الموضوع الفلاني، اجعله أكثر عمقًا، احذف هذه الفقرة، أضف مثالًا، اجعله أكثر أدبية، اجعله أكثر موضوعية، ثم ينسخ الناتج وينشره! وفي حال أكثر تشاركية: هل أصبح الكاتب محررًا لدى الذكاء الاصطناعي؟ الآلة تنتج النص، والإنسان يراجع بعض جمله ويحررها، ويصلح بعض أخطائه، ثم يضع اسمه عليه.

هذا ليس سؤالًا افتراضيًا، فنحن نشهد تدفقًا هائلًا للنصوص المنتجة بالذكاء الاصطناعي، كثير منها لا يخضع لمراجعة حقيقية، وقد لا يقرأه الشخص الذي طلب إنتاجه أصلًا. لقد أصبح إنتاج النص أسرع من قراءته.

وظيفة "قارئ"

أحد الأصدقاء يملك شركة تقنية تنتج محتوى للغير، يشاركني الاهتمام التقني، وقد درّب موظفيه على استخدام الذكاء الاصطناعي منذ ظهوره، قال لي إنه لاحظ شيئًا متكررًا: إحدى الموظفات ترسل له ما يكتبه لها الذكاء الاصطناعي بعد أن تعطيه الأمر دون قراءته.

حدثت فضائح في هذه النقطة، مسؤولون حكوميون نشروا على حساباتهم تصريحات لم يقرؤوها، فقد نشروا مع التصريح فقرة الذكاء الاصطناعي التي يكتبها في المقدمة واقتراحاته في نهاية النص.

في المؤسسات الحكومية، قد يقوم المسؤول بإنتاج نصه، وربما لا تكون لدى هذا المسؤول دراية كافية بموضوع النص، ناهيك عن مسألة الوقت. المديرون ذوو الياقات الزرقاء ربما ليس لديهم الوقت لقراءة النص، ناهيك عن تحريره. من هنا ستولد، عاجلًا أم آجلًا، وظائف كثيرة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، من بينها "قارئ". فالوظيفة الأكثر شيوعًا وطلبًا حاليًا هي "مهندس إدخال أوامر". القارئ هنا ليس القارئ بالمعنى التقليدي، وإنما القارئ المهني الذي يقرأ ما تنتجه التطبيقات. قارئ في الصحيفة، وقارئ في دار النشر، وقارئ في المؤسسة، مهمته أن يتأكد من أن النص يقول شيئًا، وأن ما يقوله صحيح، وأن مصادره موجودة، وأنه لا يختلق معلومات بثقة لغوية عالية.

ثم سيعاد تأطير وظيفة قديمة هي "المحرر"، سواء المحرر الصحفي أو المحرر الأدبي، وقد تندمج هاتان الوظيفتان في شخص واحد، وقد تكونان مستقلتين، أي القارئ والمحرر.

مع الذكاء الاصطناعي نكاد نصل إلى مرحلة أصبح فيها إنتاج النص هو الجزء السهل، بينما يصبح العثور على إنسان يقرأه أولًا، ثم يفحصه ويحرره، هو الجزء الصعب.

الكتابة العضوية

في سياق الجدل حول الكتابة بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي، طُرح مفهوم "الكتابة العضوية"! يقارن هذا المفهوم الكتابة بالمنتجات، ويطرح سؤالًا حول الأيام القادمة التي قد نجد فيها في المكتبات رفًا للكتب "العضوية" التي كتبها إنسان بالكامل، كما نجد الخضروات والفواكه العضوية والملابس المصنوعة من مواد عضوية.

الفكرة تبدو مضحكة، لكنها تفتح بابًا فلسفيًا حقيقيًا. بدأنا بالفعل نسمع عن سرقة الأسلوب، وعن ضرورة حماية "بصمة" الكاتب، وعن الخوف من أن يلقّن شخص الذكاء الاصطناعي كتب كاتب ما، ثم يطلب منه إنتاج نص يشبهها.

لكن وجود الأسلوب العضوي الخالص يحتاج إلى مساءلة: فمن أين جاء أسلوب الكاتب؟ فالأسلوب لا يولد مع الكاتب ولا يرضعه من حليب أمه أو الحليب المجفف. الكاتب قرأ مئات، وربما آلاف الكتب قبل أن يكتب. تطور أسلوبه مع تراكم القراءات وتعرّفه على أساليب جديدة لكتاب آخرين. هل يوجد شاعر لم يتأثر بشعراء سبقوه؟ مئات الدراسات النقدية تتمحور حول تأثر هذا الشاعر بأسلوب ذلك الشاعر، واستعارة ذاك الروائي أسلوب روائي آخر، أو تطويره والبناء عليه. منشأ بناء الجملة الأدبية لدى أي كاتب، هل وُلد من العدم، أم تعلم بناء الجملة من كتّاب آخرين؟

لنأخذ الشعر العربي القديم نفسه، الذي ولد شفاهيًا قبل شيوع الكتابة. إنه يقدم مثالًا صارخًا على النسج والبناء في منوال واحد تقريبًا.

خذ المعلقات مثلًا. هناك بنية مشتركة واضحة: الوقوف على الأطلال، ثم الرحلة، ثم وصف المحبوبة، ثم الانتقال إلى أغراض أخرى من الفخر والوصف والحكمة وغيرها. هل نقول إن أصحاب المعلقات سرقوا "أسلوب" بعضهم لأنهم كتبوا داخل تقاليد شعرية مشتركة؟ الدقة النقدية تقتضي القول إنهم كانوا يكتبون داخل نظام أدبي سبقهم، ثم جاء كل شاعر وأضاف صوته وتجربته، ثم جاء شاعر بعده فاستعار منه.

هكذا هو تاريخ الأدب كله تقريبًا. لا يوجد كاتب خرج من فراغ. كل كاتب ابن مكتبة، حتى لو لم يعترف بذلك. كل أسلوب هو نتيجة تراكم قراءات وتأثيرات وتجارب ولغة وبيئة وثقافة وذاكرة.

فإذا كان الكاتب يستطيع أن يتعلم أساليب الآخرين من خلال آلاف الكتب التي قرأها، فما المشكلة في أن يستخدم أداة ذكاء اصطناعي تعرف عددًا هائلًا من الأنماط اللغوية والأساليب الكتابية؟

بناء الأسلوب والبصمة

إذن، هل يستطيع الكاتب، بالتعاون مع الذكاء الاصطناعي، أن يبني أسلوبه الخاص؟ أعتقد أن الجواب نعم. يمكن للكاتب أن يعطي الأداة تعليمات دقيقة عن إيقاع الجملة، وطولها، والمفردات التي يستخدمها، والصور التي يفضلها، وما يرفضه، وطريقة بناء الحوار، ودرجة الشعرية، وطريقة الانتقال بين المشاهد. ويمكنه أن يصحح مخرجاتها باستمرار حتى تتعلم من توجيهاته داخل المشروع.

الكتابة بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي لكاتب محترف، أو مبتدئ واعٍ لمفهوم الكتابة، تصبح أشبه بورشة كتابة بين الإنسان والآلة. الكتابة ضمن الورشات الأدبية أسلوب شائع لتعلم الكتابة، ودور المحرر الأدبي في دور النشر الغربية يكاد يطابق دور الذكاء الاصطناعي في الوظيفة الأساسية لتطوير النص وتحريره وتكثيفه وحذف ما هو غير ضروري منه، لكن باعتقادي يتفوق الذكاء الاصطناعي على المحرر الأدبي بإلمامه بكل أساليب الكتابة ومعارفها المتراكمة، وحتى في اكتشاف التشابهات مع كاتب آخر سبق الكاتب إلى تلك الفكرة. من خلال التجربة، تطبيقات الذكاء الاصطناعي تعطيك تقريرًا نقديًا احترافيًا مباشرة لأي نص تعطيها له، من حيث الفكرة والتعثر والبناء والشخصيات والدقة التاريخية والموضوعية والانحياز والمبالغة، وهو ما لا يمكن أن يتوفر لأي كاتب يريد أن يرى عيوب نصه أو مكامن جودته ونقاط قوته وضعفه، وهو ما يساهم في تطوير نصه العضوي.

عندها يصبح السؤال: هل كتب الذكاء الاصطناعي هذا النص غير ذي معنى؟ نحن نتحدث عن نص جيد هنا، لا النصوص الهذيانية التي بلا معنى التي تُكتب عبر الذكاء الاصطناعي. هذه موجودة عبر تاريخ الكتابة: الكتابة الرديئة، سواء كُتبت بالورقة والقلم، أو على لوح طيني، أو على الكمبيوتر.

إذ إن الكتابة الواعية بمساعدة الذكاء الاصطناعي تحمل ضمنًا إجابة عن أسئلة تتعلق بصاحب الفكرة، وصاحب الرؤية في تحويل الفكرة إلى نص، ومتخذ القرارات الإبداعية لإنتاج النص النهائي.

إحياء المؤلف

عرف النقد الأدبي في القرن العشرين فكرة "موت المؤلف". كانت هناك محاولات لنقل مركز الاهتمام من شخصية المؤلف ونواياه إلى النص نفسه وما ينتجه من دلالات. لكننا اليوم نبدو وكأننا نسير في الاتجاه المعاكس. فجأة أصبحنا نريد معرفة من كتب النص، وبأي أداة، وكم ساهم الذكاء الاصطناعي فيه، وهل الكاتب "حقيقي" أم لا.

إذا أنتج كاتب، بمساعدة الذكاء الاصطناعي، رواية عظيمة تتفوق أدبيًا على كثير من الروايات التي كتبها البشر وحدهم، فما المشكلة؟ إذا كانت الرواية أفضل من "الإخوة الأعداء" أو "الشيخ والبحر"، هل تصبح أقل قيمة لأن الكاتب استخدم أداة ذكية؟ هل نقرأ الأدب لكي نمنح شهادة حسن سلوك للكاتب، أم لكي نقرأ نصًا مؤثرًا قابلًا للحياة يضيف لنا شيئًا جديدًا من المعرفة والمتعة؟ إذا كان النص جيدًا، ومؤثرًا، ومبتكرًا، وقادرًا على البقاء، فما الذي يهم القارئ في النهاية؟

تمسك بالقديم ومحاربة الجديد

كما في كل تجارب البشرية مع الابتكارات والاكتشافات الجديدة، نرى أن جزءًا كبيرًا من الجدل الحالي ليس دفاعًا عن الأدب بقدر ما هو دفاع عن تصور قديم للكاتب. وتاريخ البشر مليء بهذا النوع من الخوف. كلما ظهرت أداة جديدة، ظهر من يرى أنها ستفسد الإنسان، أو تقتل مهارة، أو تدمر تقليدًا أصيلًا.

كان هناك من يستغرب أن يكتب الكاتب مباشرة على برنامج Word بدلاً من الورقة والقلم ويعتبرها نقيصة، وكأن الكتابة الحقيقية يجب أن تبدأ بقلم حبر على صفحة بيضاء ثم تنقل إلى البرنامج. وبعد فترة طويلة من ظهور الكتاب الرقمي، ما زال بعض الناس يبدي استغرابه من القراءة من الكتب الرقمية، ويتحدثون عن رائحة الورق وملمس الورق والعلاقة مع الكتاب كوجود فيزيائي، بالرغم من أن مبيعات النسخ الرقمية تفوقت على مبيعات النسخ الورقية.

مثال أبعد من الكتابة، عندما ظهر GPS، كان بعض الناس يشككون في جدوى الاعتماد عليه، ويتعاملون مع استخدامه وكأنه انتقاص من قدرة الإنسان على معرفة الطريق.

مثال آخر لا علاقة له بالتقنية وتطوراتها واختراعاتها: القهوة! واجهت القهوة مقاومة شديدة عند ظهورها في مصر، ووصل الأمر في القرن السادس عشر إلى جدل ديني واجتماعي حولها. ثم أصبحت القهوة جزءًا من الحياة اليومية.

لهذا تبدو لي مطاردة الذكاء الاصطناعي في الكتابة الأدبية في بعض وجوهها شبيهة بتاريخ مطاردة الساحرات: الخوف. والخوف هنا مرتبط بالجديد، ثم البحث عن أدلة لإثبات استخدامه، واعتبار استخدامه أمرًا شائنًا. ولا ندري، في الحقيقة، لماذا أصبح استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة الأدبية وصمة حول العالم. جوابي: الأمر يتعلق بأنه يهدد النظام القديم للكتابة، ويهدد بإعادة تعريف مفهوم الكاتب نفسه، ذلك المستقر منذ آلاف السنين. إنّه يهدد سدنة الكتابة وحراسها.

لا أتحدث هنا عن الذكاء الاصطناعي كصناعة ضخمة تسيطر عليها شركات كبرى، وعن البيانات الملقنة له وانحيازاته المضمرة بناءً على هذه البيانات في قضايا كثيرة. المقال يتحدث عن أمر خارج دائرة هذه الأسئلة: عن الاستخدام، والمساعدة في كتابة النصوص وإنتاج الوسائط.

لا يعني هذا أن كل استخدام للذكاء الاصطناعي جيد، ولا أن كل نص ينتجه يستحق النشر. العكس تمامًا. الكثير مما ينتجه الذكاء الاصطناعي مجرد هراء، وينتج عبر أشخاص لا يجيدون الكتابة ولا يجيدون استخدام الذكاء الاصطناعي كذلك.

نحن بحاجة إلى قواعد واضحة، وأخلاقيات استخدام، وشفافية، وخصوصًا إلى تدخل بشري فعّال. لكنني لا أعتقد أن الحل هو محاولة إعادة الكتابة إلى العصر العضوي، أي ما قبل الذكاء الاصطناعي. فذلك لن يحدث.

والأرجح أن ما نراه اليوم، بعد سنوات، سيبدو غريبًا ومضحكًا مثل استغراب الناس من الكاتب الذي يستخدم Word بدلاً من الورق، أو خوفهم من أن GPS سيجعل البشر عاجزين عن معرفة الطريق.

قد يأتي يوم تدخل فيه إلى مكتبة فتجد رفًا جديدًا مكتوبًا عليه: كتب عضوية. كتب كتبها الإنسان وحده، بالقلم أو لوحة المفاتيح، من دون أي مساعدة من الآلة. ومن المؤكد أن الأصوليين، المتمسكين بالتقاليد القديمة، سيفضلونها. لكن كثيرًا من الناس سيتوقفون أمامه ويبتسمون، لأن الكتابة العضوية ستشير إلى عصر آخر، وقد يسأل أحدهم باستغراب: لماذا هذا الأمر مهم أصلًا؟

في ذلك اليوم، ربما لن يكون السؤال: "هل استخدم الكاتب الذكاء الاصطناعي؟" بل السؤال الأبسط والأصعب: هل كتب شيئًا يستحق أن نقرأه؟

كيف استخدمت الذكاء الاصطناعي في إنتاج هذا المقال؟

كُتب هذا المقال باستخدام أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وكان التسلسل كالتالي: حددت له فكرة المقال بوضوح لكي يفهم سياق الأوامر اللاحقة. أضفت فقرات عن تاريخ الكتابة، وطلبت منه أن يكتب سطرًا مختصرًا عن كل حقبة. أضفت بعد ذلك الأسئلة المتعلقة بفقرة الكتابة في عصر الذكاء الاصطناعي، من دون تدقيق في بناء الجملة ودقتها التعبيرية، أي كتابة خام، وطلبت منه أن يعيد صياغتها في سياق كتابة هذا المقال. أضفت بعد ذلك فقرة "الكتابة العضوية" عبر تسجيل صوتي على شكل حديث، وطلبت منه تفريغها نصيًا. أما فقرة الأسلوب فكتبتها وطلبت منه إعادة صياغتها.

بعد ذلك طلبت منه جمع الفقرات في نص واحد. لكن، وكما هو في الغالب، وبعد كل الأوامر والتعديلات على ما كتبه، أنتج نصًا غير صالح للنشر مطلقًا.

أضفت المقدمة، وأعدت كتابة وتحرير الفقرات التي كتبها كاملة. كتبت الخاتمة والأمثلة حول مقاومة الجديد، وطلبت منه صقلها بشكل منفرد وضبط علامات الترقيم. ثم أعطيته النص النهائي بأمر واضح: لا تعدّل ولا جملة، ولا تحذف شيئًا، تدقيق إملائي ونحوي وعلامات ترقيم فقط.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.