: آخر تحديث
مبدعون عرب في الذاكرة

البروفيسور محمد محجوب ضياف: من صفاقس إلى قيادة جامعة ليوا

8
10
5

في صفاقس، حيث تتجاور الجامعة مع نبض المدينة الصناعي، بدأ محمد محجوب ضياف رحلته مع المعرفة. لم يكن الطريق الذي اختاره طريقًا مستقيمًا إلى لقب أو منصب، بل مسارًا طويلًا، تتقدم فيه الأسئلة خطوة قبل الإجابات: كيف تتحسن المؤسسات؟ كيف تُقاس جودة العمل؟ وكيف تتحول الإدارة من إجراءات يومية إلى علم يصنع فرقًا في حياة الناس؟

وُلد ضياف في تونس عام 1972، ونشأ في بيئة جامعية ومهنية جعلت من الإدارة والاقتصاد والصناعة موضوعات قريبة من الواقع، لا مفاهيم معلّقة في الكتب. وفي جامعة صفاقس وضع اللبنات الأولى لتكوينه، قبل أن يتجه إلى فرنسا لاستكمال دراسته العليا.

هناك، في مدرسة الفنون والصناعات، أنجز أطروحته للدكتوراه عام 2007، متناولًا أثر إدارة الجودة الشاملة في الأداء الكلي لمؤسسات النسيج والملابس التونسية.

كان موضوع الأطروحة أشبه بخريطة مبكرة لمسيرته، فالجودة عنده لم تكن شعارًا يُرفع، بل منظومة يمكن اختبارها وقياس أثرها. ومن هذا المدخل اتسعت أسئلته لتشمل إدارة العمليات، واللوجستيات، وسلاسل الإمداد، ومرونة المؤسسات، وطرائق تحسين الأداء.

عاد إلى تونس حاملًا أدوات الباحث، وعمل في التعليم العالي، ولا سيما في مؤسسات جامعية بصفاقس، حيث تدرّج في التدريس والبحث، وانشغل بموضوعات الصناعة والنقل والخدمات اللوجستية.

في تلك السنوات، لم تكن المؤسسة الصناعية بالنسبة إليه مجرد مكان للإنتاج، كانت شبكة من القرارات والعلاقات والتدفقات، تتأثر فيها النتيجة بأدق التفاصيل. كيف تصل المواد؟ أين يتعطل المسار؟ وما الذي يجعل سلسلة الإمداد قادرة على الصمود حين تتغير الظروف؟ كانت هذه الأسئلة تنتقل معه من البحث إلى قاعة الدرس، ومن قاعة الدرس إلى واقع المؤسسات.

ثم حملته الرحلة إلى الإمارات، حيث دخل بيئة جامعية تتعدد فيها الثقافات والتخصصات، وتتسارع فيها الحاجة إلى تطوير التعليم وربطه بمتطلبات المستقبل. في أبوظبي، بدأ مرحلة جديدة من عمله الأكاديمي، قبل أن يتولى رئاسة قسم الإدارة الصناعية عام 2014. وبعدها انتقل إلى مسؤوليات أوسع، فعمل مديرًا للحرم الجامعي للطالبات، ثم عميدًا لكلية إدارة الأعمال عام 2017.

وكانت العمادة محطة تتطلب أكثر من إدارة الجداول والمقررات، إذ كان عليه أن ينظر إلى البرنامج الأكاديمي من بدايته إلى نهايته: ما الذي يتعلمه الطالب؟ كيف يُقاس تقدمه؟ وهل تلبي مخرجات البرنامج حاجات المجتمع وسوق العمل؟

في هذه المرحلة، شارك في تطوير البرامج وتعزيز أنظمة الجودة، وقاد ملف الاعتماد الدولي لكلية الأعمال لدى مجلس اعتماد كليات وبرامج الأعمال (ACBSP). لم تكن الاعتمادات في هذا السياق مجرد شهادات تُعلّق على الجدران، بل مراجعة متواصلة لطريقة العمل، واختبارًا لقدرة المؤسسة على أن تشرح ما تفعله، وأن تثبت أثره.

ومع اتساع المسؤولية، خرج ضياف من حدود القسم والكلية إلى فضاء القيادة المؤسسية. تولى أدوارًا قيادية في كلية ليوا للتكنولوجيا، وعمل في مرحلة لاحقة رئيسًا بالإنابة لكلية الخوارزمي الدولية بالتزامن مع مسؤوليته في ليوا. كانت إدارة مؤسستين في وقت واحد تجربة مختلفة، فهي تضع القائد أمام تحدي التوفيق بين هويات أكاديمية متعددة، وبين متطلبات التشغيل والجودة والتطوير. وفي تلك المرحلة، أخذت فكرة التكامل المؤسسي تقترب من واقع الجامعة التي ستظهر لاحقًا.

في حزيران (يونيو) 2022، تولى رئاسة كلية ليوا بصفة مؤقتة، في زمن كانت فيه المؤسسة تستعد لعبور كبير. ثم جاءت الخطوة التي أعادت رسم ملامحها: التحول من كلية إلى جامعة. لم يكن تغيير الاسم وحده هو الحكاية، فقد رافقته توسعة في البرامج، وإطلاق برامج للدراسات العليا، وتطوير للكليات، وتعزيز للاعتمادات والحضور الأكاديمي. ومع هذا التحول، صار على القيادة أن توازن بين طموح النمو ومسؤولية الحفاظ على جودة التعليم.

واليوم، يقود ضياف جامعة ليوا، التي تضم كليات في إدارة الأعمال، والهندسة والحوسبة، والإعلام والعلاقات العامة، والعلوم الطبية والصحية. وفي أروقة الجامعة، تتجاور تخصصات تبدو بعيدة بعضها عن بعض، لكنها تلتقي في سؤال واحد: كيف نعدّ خريجًا قادرًا على فهم عالم سريع التغير والمشاركة في بنائه؟

تتجلى هذه الرؤية في مسارات الاعتماد الأكاديمي، وفي حصول برامج هندسية وحاسوبية على اعتماد ABET، وبرامج صحية على اعتماد AHPGS، وبرامج إعلامية على اعتماد AQAS، إلى جانب التقييمات المؤسسية الدولية.

كما اتسعت الجامعة في برامجها، وواصلت العمل على التحول الرقمي والاستدامة وتطوير البحث العلمي. إنها تفاصيل إدارية في ظاهرها، لكنها في جوهرها محاولات لصياغة مؤسسة أكثر قدرة على التعلم والتجدد.

في قيادة البروفيسور محمد محجوب ضياف لجامعة ليوا، يلتقي العقل العلمي الرصين بالشخصية الهادئة المتوازنة. فهو يتعامل مع تطوير الجامعة بوصفه عملًا مؤسسيًا يحتاج إلى رؤية واضحة، وقرارات تستند إلى المعطيات، ومراجعة مستمرة للأداء. وتنعكس خبرته البحثية والإدارية في اهتمامه بالجودة، وتطوير البرامج، وتعزيز بيئة أكاديمية تشجع على التعلم والبحث والابتكار.

لكن القيادة، في نظر من يعرفونه عن قرب، لا تكتمل بالخطط والأنظمة وحدها. فالحزم والانضباط عنده يسيران جنبًا إلى جنب مع البعد الإنساني، يحرص على وضوح المسؤوليات واحترام الوقت والمعايير، من دون أن يغيب عنه أن وراء كل مهمة إنسانًا له ظروفه وطموحاته. وهكذا لا تبدو الصرامة غاية في ذاتها، بل وسيلة لصون العمل وتحقيق أهدافه، ضمن علاقة تقوم على الاحترام والتقدير.

وتظهر هذه الروح في قربه من الطلبة، إذ لا يراهم أرقامًا في سجلات الجامعة، بل أفرادًا في رحلة تعلم ونمو. ويحرص على أن يجدوا في قيادته من يصغي إلى احتياجاتهم ويوجههم، بروح أبوية تجمع الرعاية بالتشجيع على تحمل المسؤولية. كما يحرص على التواصل مع أعضاء هيئة التدريس والإداريين، مقدّرًا دورهم في بناء الجامعة، ومؤمنًا بأن نجاح المؤسسة ثمرة تعاون لا جهد فرد واحد.

بين البعد العلمي والبعد الإنساني تتشكل ملامح قيادته: عقل يخطط ويقيس ويطوّر، وشخصية هادئة توازن بين الحزم والمرونة، وقرب يذكّر بأن الجامعة ليست مباني وبرامج فحسب، بل مجتمع من الطلبة والأساتذة والعاملين. وفي هذا التوازن تكمن قيمة القيادة، أن تصون معايير المؤسسة، وفي الوقت نفسه تجعل الإنسان في قلب رسالتها.

أما الباحث الذي بدأ من سؤال الجودة، فلم يغادر البحث وهو يتولى الإدارة. بقيت اهتماماته تمتد إلى سلاسل الإمداد واللوجستيات وقياس الأداء والإدارة الرشيقة والاستدامة، ثم اتجهت إلى موضوعات أحدث، مثل التحول الرقمي والتكنولوجيا المالية وكفاءة التصنيع. وفي هذا الامتداد يظهر وجه آخر من سيرته: فالمسؤولية الإدارية لم تُلغِ فضول الباحث، بل جعلت أسئلة المؤسسة اليومية امتدادًا لأسئلته العلمية.

من تونس إلى الإمارات، لم تكن مسيرته انتقالًا بين بلدين فحسب، بل انتقالًا بين أدوار تتسع تباعًا: طالب يبحث عن أدوات الفهم، ثم باحث يختبر النماذج، وأستاذ ينقل المعرفة، وعميد يطوّر البرامج، وقائد يقف أمام مسؤولية مؤسسة كاملة. وبين هذه المراحل ظلّ خيط واحد يربطها: الإيمان بأن التطوير لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر عمل متراكم، ومراجعة مستمرة، ورغبة في جعل المعرفة نافعة خارج حدود الورق.

وهكذا تبدو حكايته حكاية أكاديمي تونسي حمل خبرته من الجامعة والبحث إلى قيادة مؤسسة تعليمية في الإمارات. حكاية رجل لم يرَ في الجودة إجراء منفصلًا عن التعليم، ولا في الإدارة نقيضًا للفكر، بل رأى فيهما طريقين يلتقيان عند بناء الجامعة، وتوسيع فرص التعلم، وإعداد أجيال تستطيع أن تمضي أبعد مما وصل إليه أساتذتها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.