: آخر تحديث

بين الضرب والقتل... قيم دموية

7
11
5

ولو أنه مخالف للأعراف الأدبية، لكن لنثبت للقارئ أننا نقول ونكتب ونعلن ما نعتقد ونفعل، فأنا لم أرفع يدي ـــ فقط أرفعها ــ على أحد من أبنائي، وأظن أنني فعلت معهم كما فعل معي أبي، وكانوا ذكرًا وأنثيين، الذكر أستاذ دكتور مهندس في أعرق جامعات أوروبا ومستشار تكنولوجي لأعرق شركات التكنولوجيا فيها، والأنثى الثانية صيدلانية تعمل بمنصب مرموق، والثالثة، وهي أكبرهم، مهندسة مدني آثرت أن تتفرغ لأسرتها. والمقصود من هذا الاستهلال ليس مباهاة أو تفاخرًا، لكن المقصود أنهم تفوقوا وأجادوا بدون إيذاء جسدي أو نفسي، فالضرب والإهانة الجسدية والنفسية لا يصنعان إنسانًا متفوقًا سويًا، لكنهما ينتجان كيانًا مشوهًا عاجزًا مضطربًا قلقًا كارهًا. وقد تخلصت مجتمعات كثيرة من هذه الممارسات المخزية العنيفة واستهجنتها وسنت القوانين اللازمة للحد منها والعقاب عليها، والعقاب ليس لإنسان ضرب إنسانًا فقط، بل للتحرش بإنسان باللفظ وليس بالفعل، ليس هذا فقط، بل لعقاب الإنسان على ضرب حيوان.

وضرب إنسان، في رأيي، مهما كانت درجة الأذى البدني، يصاحبه درجة موازية من أذى النفس أو أذى الروح، إن جاز التعبير، ومن ثم، وعند درجة ما من الألم، كل حسب احتماله، تغادر الروح الجسد، أي تزهق، ويصبح الجسد مجرد جثة هجرتها روحها لوقف الألم.

وسنبدأ طرحنا ببحث حادثتين ربما يظن القارئ أن الفارق هائل بينهما، إلا أن كلتيهما مفجعتان مؤلمتان وموجعتان بالنسبة إلى شخصي، وربما يشاركني هذا الشعور قراؤنا أو بعضًا منهم على الأقل. الأولى هي صفع مدرب رياضي لطفلة لم تتعد العاشرة على وجهها بكفه العريض، ثم أشاح بوجهه عنها واستمر في مطالعة شاشة تليفونه المحمول. وقد تبدو الصورة لا تحتاج إلى شرح، وهي كذلك فعلًا، فهي تحتاج إلى ما هو أكثر من الشرح، فهي تحتاج إلى تشريح. فالرجل تصرف من فائض ثقافته الذكورية وثقافة مجتمعه، هذا المجتمع الذي يجيز، بل ويقنن، ضرب المرأة البالغة الناضجة بمسوغات مدلسة، فما بالك بطفلة. وقد يعتقد البعض من معتنقي هذه الثقافات في هذه المجتمعات أن المسألة مبالغ فيها ولا تستحق هذا التضخيم غير المبرر، لكن في مجتمعات أخرى، وخصوصًا تلك التي وقعت هذه الحادثة على أرضها، فهي من الكبائر الكبرى، فتلك الطفلة كيان عاجز عن الدفاع عن نفسه، لكن مجتمعًا عاقلًا ناضجًا حرًا هو حاميها من كل اعتداء، حتى من والديها الذين أنجباها.

أما الحادثة الثانية، وهي الأفجع، فهي القتل غيلة، وهي أخس وأقذر وأجبن أنواع القتل على الإطلاق، وإلا فما هو أنسب وصف لهجوم بالأسلحة الفتاكة على مصلين في دار عبادة اجتمعوا حزانى للصلاة على جثمان؟ لن أطيل في تشريح هذه الصورة، فتفاصيلها مؤلمة، ونحن في مصر اعتدنا هذا المشهد من فصائل غريبة على الجنس الآدمي، فصائل نشأت من جين شرير التصق بشريط الوراثة البشري نتيجة طفرات سببها الفقر والجهل والمرض والتناحر والاقتتال والغيبيات التي استشرت في مجتمعات طيلة قرون.

ولعل قارئًا يتساءل: ما العلاقة بين الحادثتين؟ والإجابة أن الضرب هو الوسيلة الأولى (الأوريجنال) للإيذاء، ويتدرج الإيذاء البدني حتى يبلغ المنتهى، وهو أقصى درجات الألم، ومن ثم تغادر الأرواح أجسادها التي بلغ الألم فيها منتهاه. هذه هي العلاقة بين الضرب والقتل: قيم حيوانية كامنة في فصائل، في رأيي (الشخصي)، أنها أبعد ما يكون عن كونها فصائل آدمية، فصائل منزوع منها أي قيمة إنسانية، القيم السامية التي يتمتع بها، أو بدرجة منها على الأقل، كل أجناس البشر.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.