يغطي الكتاب فترة تأسيس الجماعة، ونجاحها، خلال فترة وجيزة، لأن تتحول لقوة سياسية فاعلة، وحقيقة ارتباطها مع بريطانيا، مع العداوة المبكرة مع نفوذها في مصر؛ حيث حاول البنا وقياديو الجماعة أحياناً فتح قنوات تواصل هادئة أو تفاهمات غير مباشرة معها، ومع الغرب والحكومات المصرية المتعاقبة، في مقابل استخدام الجماعة كورقة ضغط محلية ضد خصوم القصر، أو القوى الليبرالية واليسارية. وغالبا ما أدى هذا التباين في المواقف إلى صدامات عنيفة وحملات حلّ وحظر للجماعة، خصوصاً مع تنامي التنظيم الخاص واغتيال بعض الشخصيات السياسية وصولاً لاغتيال حسن البنا نفسه أواخر الأربعينيات.
ومع وصول ناصر ورفاقه إلى السلطة في مصر عام 1952، كان من المحتم وقوع الصدام بينه وبين الاخوان، وأدى بطشه بهم، والاعتقالات الواسعة، في الخمسينيات والستينيات، إلى لجوء أعداد كبيرة من قياديي وأعضاء الجماعة إلى الخارج، وتحديداً نحو دول الخليج، (وصلت أول جحافلهم للكويت عام 1946). وساهمت هجراتهم للخليج ولبريطانيا وألمانيا، في وضع قواعد التنظيم الدولي للإخوان، وامتداد شبكاتهم واندماجهم التدريجي داخل المجتمعات الغربية، تحت أغطية دينية وثقافية.
وخلال فترة الحرب الباردة، بين معسكري السوفيت والغرب نظرت الاستخبارات الغربية إلى الإسلاميين كحلفاء محتملين أو ورقة ضغط مفيدة في كبح المدّ الشيوعي، على الرغم من مشاعر الريبة من أفكارهم.
خصص فرامبتون مساحات في كتابه لتحليل تحركات الإخوان، فمع استقرار قياديي الجماعة في الغرب، نشأت شبكات نفوذ ومجالس إسلامية سعت لتمثيل الجاليات المسلمة والضغط على الحكومات الغربية، ما أوجد سجالاً سياسياً وقانونياً داخلياً في تلك الدول حول حدود التعامل مع الإسلام السياسي، ليخلص إلى أن الغرب صار «نقطة مرجعية نقدية» محورية في بناء هوية الإخوان وخطابهم السياسي.
ويؤكد الكاتب على أن التعامل بين الإخوان والغرب لم يُبنَ أبداً على ثقة حقيقية، بل حركته دائماً حسابات صرفة؛ فكل طرف كان يرى في الآخر أحياناً أداة مؤقتة أو شريك ضرورة لتقويض خصوم مشتركين، مع احتفاظ كل طرف برؤيته الاستراتيجية المناوئة للآخر في الجوهر.
* * *
نعود للكتابة عن الإخوان على ضوء الجريمة الإرهابية التي اقترفها ثلاثة إرهابيين في الهجوم المسلح الذي استهدف كنيسة للأرثوذكس في مدينة الكرك، جنوبي الأردن، التي نتج عنها مقتل تسعة وإصابة أكثر من 40 جريحا، من المصلين والمعزّين الأبرياء. وبيّنت هذه الجريمة البشعة، وغير المبررة، أن خطر الجماعات الدينية المتشددة مستمر، وغير معروف أين ستكون ضربتهم المقبلة.
أحمد الصراف

