حينما سُئل الزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا في تسعينيات القرن الماضي عن سر تمسكه بعلاقة بلاده، جنوب أفريقيا، مع موسكو، بالرغم من الضغوط الدولية، أجاب بحسم: "إن أصدقاءنا هم الذين ساعدونا في أحلك الظروف، حينما كان الآخرون يصفون حركات تحررنا بالإرهاب".
اليوم، وفي أعقاب انعقاد القمة الروسية الأفريقية الثالثة بمشاركة وفود من 48 دولة إفريقية، يبدو أن التاريخ لا يموت في أروقة الجغرافيا السياسية، بل يُعاد تدويره بذكاء استراتيجي. لم تعد أفريقيا تبحث في الكرملين عن الدعم الأيديولوجي السوفياتي القديم، كما أن روسيا فلاديمير بوتين لا تتحرك بدوافع نُبل الماضي فحسب، بل يقف الطرفان اليوم عند خط تماس استراتيجي عنوانه "البراغماتية الصلبة وتعددية الأقطاب"، حيث تحولت الذاكرة السياسية المشتركة إلى أداة ردع ومظلة أخلاقية تُعيد صياغة تحالفات الحاضر والمستقبل خارج منظومة الهيمنة الغربية التقليدية.
لكن السؤال الذي يتجاوز رمزية اللقاءات والخطابات هو: هل تستطيع هذه العلاقة الانتقال من رصيدها التاريخي إلى شراكة اقتصادية وتنموية متوازنة، أم ستظل الذاكرة السياسية أكبر من النتائج الفعلية؟
لا يمكن قراءة المشهد الراهن بمعزل عن التحولات العميقة التي تشهدها منطقة الساحل الإفريقي. فمالي والنيجر وبوركينا فاسو شهدت خلال السنوات الأخيرة تغيرات سياسية وأمنية دفعت حكوماتها إلى إعادة النظر في علاقاتها مع شركائها التقليديين، والبحث عن بدائل جديدة في مجالات الأمن والدفاع والتعاون الاقتصادي.
وفي هذا السياق، برز التقارب مع موسكو بوصفه أحد الخيارات التي اتجهت إليها هذه الدول، ضمن خطاب سياسي يركز على السيادة الوطنية ومناهضة ما تصفه حكوماتها بالاستعمار الجديد. ولكن لا يمكن اختزال هذا التقارب في موقف إفريقي موحد، ولا في انتقال جماعي من محور دولي إلى آخر، فلكل دولة حساباتها الداخلية وتحدياتها الأمنية ومصالحها الخاصة.
كما أن تقديم روسيا نفسها شريكًا لا يفرض شروطًا سياسية تقليدية يظل جزءًا من خطابها الدبلوماسي، فيما تبقى النتائج العملية للتعاون الأمني والاقتصادي هي المعيار الذي يمكن من خلاله تقييم طبيعة هذه الشراكة.
فالمسألة لا تتعلق باستبدال تبعية بأخرى، بل بقدرة الدول الإفريقية على توسيع هامش استقلال قرارها، وتنويع شركائها، وتحويل التنافس الدولي إلى فرصة تخدم أولوياتها الوطنية.
من الخطاب السياسي إلى خارطة التعاون
لم يعد الخطاب الروسي تجاه القارة الإفريقية قائمًا على استعادة الأيديولوجيا السوفيتية، بل بات يستند إلى شبكة متداخلة من المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية. وفي المقابل، تدرك العواصم الإفريقية أن تنويع الشركاء الدوليين يتيح لها فرصًا أوسع للمناورة والتفاوض، ويمنحها مساحة أكبر في التعامل مع الضغوط والتحولات الاقتصادية والسياسية.
وقد عكست القمة الروسية الإفريقية الثالثة هذا التوجه من خلال اعتماد إعلان موسكو الختامي، وخطة عمل منتدى الشراكة الروسية الإفريقية للفترة 2027–2029، إلى جانب إعلان خاص بالتعاون في الاستخدامات المدنية لتقنيات الذكاء الاصطناعي.
أمن الطاقة والجغرافيا في قلب المصالح
في عمق العلاقات الروسية الإفريقية، تبرز ملفات أمن الطاقة والأمن الغذائي والبنية التحتية والممرات البحرية بوصفها عناصر مؤثرة في رسم التفاهمات الاستراتيجية بعيدة المدى.
فالموقع الجغرافي للقارة يمنح عددًا من دولها أهمية خاصة في حركة التجارة الدولية، ولا سيما في منطقة القرن الإفريقي ومحيط البحر الأحمر، حيث تتقاطع طرق الملاحة وسلاسل الإمداد والمصالح الاقتصادية والأمنية للقوى الإقليمية والدولية.
كما تمتلك إفريقيا موارد كبيرة في قطاعات الطاقة والمعادن والزراعة، ما يجعلها شريكًا مهمًا في حسابات الأمن الاقتصادي العالمي. وهنا تبرز فرص التعاون مع روسيا في مجالات الطاقة التقليدية والنووية السلمية والأسمدة والتقنيات الزراعية والبنية التحتية.
لكن الموقع الجغرافي والموارد الطبيعية لا يتحولان تلقائيًا إلى قوة اقتصادية. فالقيمة الاستراتيجية الحقيقية تكمن في قدرة الدول الإفريقية على توظيف هذه المزايا في بناء صناعات محلية، وتطوير الموانئ وشبكات النقل، وتعزيز أمن الغذاء والطاقة، وجذب استثمارات تحقق قيمة مضافة داخل القارة.
وفي هذا المجال تحديدًا تتحدد طبيعة الشراكة: هل تكون مجرد تنافس على الموارد والمواقع، أم تعاونًا يتيح للدول الإفريقية تطوير قدراتها الإنتاجية والتكنولوجية؟
ما بعد القمة: هل تتحول الوعود إلى نتائج؟
أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى أن حجم التبادل التجاري بين روسيا والدول الإفريقية تجاوز 27 مليار دولار خلال عام 2025، مؤكدًا رغبة موسكو في توسيعه. كما ركزت مخرجات القمة على تطوير التعاون التجاري والاستثماري، وتعزيز التصنيع ونقل التكنولوجيا، إلى جانب توسيع التعاون في مجالات الطاقة والزراعة والتعليم والأمن.
وتكتسب خطة العمل للفترة 2027–2029 أهمية من حيث وضع إطار مؤسسي للتعاون في 19 مجالًا، لكنها لا تمثل بحد ذاتها ضمانة لتنفيذ جميع الأهداف المعلنة، إذ إن الوثيقة، وفق توضيح الاتحاد الإفريقي، تشكل إطارًا للتعاون ولا تنشئ التزامات قانونية دولية.
وهذه نقطة جوهرية في قراءة نتائج القمة. فالإعلان عن مجالات واسعة للتعاون لا يعني بالضرورة أن مشروعاتها أصبحت ممولة أو دخلت حيز التنفيذ. كما أن ارتفاع حجم التجارة لا يكفي وحده للحكم على توازن العلاقة، ما لم يقترن بتوسيع الصادرات الإفريقية ذات القيمة المضافة، وتوطين الإنتاج، وتوفير فرص العمل، ونقل المعرفة والتكنولوجيا.
إن التحدي أمام الطرفين لا يكمن في صياغة مزيد من البيانات المشتركة، بل في بناء آليات متابعة وتمويل وتنفيذ تسمح بقياس النتائج ومحاسبة الأطراف على ما تعهدت به.
تعددية الأقطاب: فرصة لإفريقيا أم ساحة تنافس جديدة؟
تطرح موسكو شراكتها مع إفريقيا ضمن رؤيتها لنظام دولي متعدد الأقطاب، وهو توجه يتقاطع مع مطالب إفريقية متزايدة بإصلاح المؤسسات الدولية وتوسيع تمثيل القارة في مراكز صنع القرار، وفي مقدمتها مجلس الأمن الدولي.
فالرهان الإفريقي لا ينبغي أن يكون على تبديل محور دولي بآخر، بل على امتلاك القدرة على التعامل مع جميع الشركاء من موقع أكثر توازنًا، بحيث تصبح المنافسة الدولية أداة لتعزيز التنمية والاستقلال الاقتصادي، لا سببًا في إعادة إنتاج أشكال جديدة من التبعية أو الانخراط في صراعات الآخرين.
فإفريقيا ليست مجرد مساحة جغرافية تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى، بل طرف يمتلك إمكانات بشرية واقتصادية واستراتيجية تؤهله للمشاركة في صياغة مستقبل النظام الدولي.
التاريخ لا يموت في أروقة الجغرافيا السياسية
إن استحضار تجربة مانديلا في سياق العلاقات الروسية الإفريقية اليوم لا ينبغي أن يتحول إلى استدعاء عاطفي للماضي، بل إلى مدخل لفهم أثر المواقف التاريخية في تشكيل الثقة السياسية بين الدول. فالعلاقات الدولية لا تستمر بالامتنان وحده، كما أن التحالفات لا تُبنى على الذاكرة بمعزل عن المصالح المتجددة.
لقد منح الإرث السوفيتي موسكو رصيدًا تاريخيًا في الوعي السياسي الإفريقي، لكن الحفاظ على هذا الرصيد يتطلب شراكة قادرة على الاستجابة لتطلعات القارة في الحاضر: أمن غذائي أكثر استقرارًا، واقتصادات منتجة، وتعليم متطور، وتكنولوجيا متاحة، وفرص عمل، ومؤسسات أكثر قدرة على حماية السيادة الوطنية.
وفي المقابل، تمتلك إفريقيا فرصة لإعادة تعريف موقعها في العلاقات الدولية، من خلال تنويع شراكاتها وتطوير قدراتها التفاوضية، وعدم الاكتفاء بدور المتلقي للمبادرات الخارجية.
فمواقف الماضي قد تفتح أبواب التحالفات، لكنها لا تضمن استمرارها، وحدها المصالح المتبادلة، واحترام استقلال القرار، والقدرة على تحويل التفاهمات إلى نتائج ملموسة، تستطيع أن تصنع تحالفات المستقبل.


