لم تكن الضربات العسكرية الأخيرة التي استهدفت مواقع الميليشيات التابعة لإيران في العراق خطوة مفاجئة لمراقبي المشهد السياسي والعسكري في المنطقة. فالمتتبع للمواقف الرسمية يدرك أن السعودية أطلقت، عبر منابر متعددة ومرات متتالية، تحذيرات شديدة اللهجة لكل من يحاول استهداف أمنها واستقرارها أو العدوان على أراضيها، مؤكدة أن الرد سيكون حتميًا ومباشرًا.
وجاء التحذير المسبق نتيجة قراءة دقيقة للمخططات الإيرانية، حيث بات من الواضح تمامًا أن طهران تعمدت استغلال الجبهة العراقية وتوظيفها كمنصة متقدمة لاستهداف السعودية ودول الخليج العربي، في استراتيجية مكشوفة لتوزيع الأدوار والتملص من أي مسؤولية قانونية أو عسكرية مباشرة، والاختباء خلف واجهات الميليشيات العابرة للحدود لتجنب العقاب الدولي.
يضع هذا التكتيك الإيراني المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري لا يمكن التغاضي عنه: ماذا يفعل العسكر والضباط الإيرانيون، وخبراء فيلق القدس، في معسكرات ومقرات هذه الميليشيات داخل العراق؟ إن وجود هذه القيادات على الأرض، وإشرافهم المباشر على مخازن الأسلحة النوعية التي تدفقت عبر الحدود، من طائرات مسيّرة وصواريخ باليستية دقيقة التوجيه، يدحض زيف السردية التي تتحدث عن فصائل محلية مستقلة. بل إن الواقع الميداني يثبت بالدليل القاطع أننا أمام غرف عمليات تُدار مباشرة من طهران للعدوان على الجوار. ويتجلى ذلك بوضوح في امتناع فصائل ككتائب حزب الله العراقي وغيرها عن تسليم سلاحها للدولة المركزية، وإصرارها على الاحتفاظ بترسانة عسكرية مستقلة خارج إطار القانون والدستور العراقي.
ومن الناحية القانونية، يمنح هذا التمرد العسكري المنفلت الدولة المعتدى عليها الحق الكامل والشرعي في الدفاع عن نفسها وحماية سيادتها ومواطنيها، بموجب القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، الذي يشرعن ردع أي تهديدات تنطلق من أراضٍ تفقد فيها الحكومات المركزية السيطرة على السلاح المنفلت لصالح أجندات خارجية.
وبناءً على هذه المعطيات، تأتي هذه الضربة العسكرية المشتركة لتوجه رسالة استراتيجية بالغة الأهمية، ومفادها أن الصبر السعودي قد نفد، وأن سبل الحوار والدبلوماسية والحكمة التي تمسكت بها الرياض طويلاً لم تؤتِ ثمارها مع أطراف استغلت هذا النفس الأخلاقي لتصعيد عدوانها. ومن هنا، فإن المملكة تفتح باب الرسائل على مصراعيه لتؤكد للجميع أن المرحلة القادمة لن تكون كسابقتها، وأن قواعد التوازن القديمة قد انتهت إلى غير رجعة.
وهنا يبرز التحول الجذري في طريقة التعامل مع مصادر التهديد، حيث تستند السعودية إلى منظومة دفاعية وهجومية متطورة للغاية، قادرة على شل وضرب أي خطر في مهده. ولم يعد هناك مجال للشك في أن المساس بالأمن والاستقرار السعودي خط أحمر، لن تتردد المملكة لحظة واحدة في تسخير كافة مقدراتها العسكرية لحماية أراضيها وحدودها دونه، واضعة بذلك حدًا نهائيًا لسياسة الحروب بالوكالة التي أريد لها أن تستنزف المنطقة.


