: آخر تحديث

إدمان المقارنة

2
3
2

لا أظن أن المقارنة شرّ في أصلها. كل إنسان ينظر إلى غيره ليفهم أين يقف، وما الذي ينقصه، وإلى أي مدى تقدّم. المشكلة تبدأ حين لا تعود المقارنة أداة للفهم، بل تتحول إلى عين لا ترى في حياتنا إلا ما ينقصها.

وهذا ما يحدث اليوم بكثرة. نفتح هواتفنا لدقائق، فنجد أنفسنا أمام نجاحات متتابعة، وأسفار، ومنازل، وترقيات، وأجساد مثالية، وعلاقات تبدو بلا عيوب. نعرف في قرارة أنفسنا أن ما نراه منتقى بعناية، لكن المعرفة وحدها لا تحمينا دائمًا. فالصورة تؤثر، حتى حين نعرف أنها لا تقول الحقيقة كاملة.

نقارن يومنا العادي بأفضل لحظة في حياة شخص آخر، ثم نستغرب لماذا نشعر بالتأخر.

في البداية يكون الأمر بسيطًا: لماذا لم أصل بعد؟ ثم يصبح أكثر قسوة: ما الذي ينقصني؟ وبعد مدة، يتحول نجاح الآخرين من مصدر إلهام إلى دليل نستخدمه ضد أنفسنا. وهنا لا تعود المشكلة في أن غيرنا تقدّم، بل في أننا جعلنا تقدّمه حكمًا على قيمتنا.

أنا لا أؤمن بالعبارة المريحة التي تقول إن كل مقارنة سيئة. أحيانًا نحتاج إلى رؤية من سبقنا كي نراجع تقصيرنا، ونعرف أن بعض الأعذار لم تعد مقنعة. لكن هناك فرقًا واضحًا بين مقارنة تدفع الإنسان إلى العمل، وأخرى تجعله يحتقر ما أنجزه مهما كان حقيقيًا.

المقارنة المؤذية لا تعرف الاكتفاء. كلما حقق الإنسان أمرًا، ظهر أمامه من حقق أكثر. يحصل على وظيفة، فيرى من يتقاضى راتبًا أعلى. يشتري منزلًا، فيلتفت إلى منزل أكبر. ينجح أبناؤه، فيبحث عمّن تفوق أبناؤه أكثر. وبهذا لا يعيش فرحة الوصول، لأنه منشغل دائمًا بموقعه في سباق لم يطلب أحد منه دخوله أصلًا.

والأسوأ أنها تفسد نظرتنا إلى النعم. الشيء الذي كان يسعدنا بالأمس يصبح قليلًا اليوم، لا لأنه تغيّر، بل لأننا رأينا ما هو أكبر منه عند غيرنا. نحن لا نخسر ممتلكاتنا حين نقارن، لكننا قد نخسر الشعور بقيمتها، وهذه خسارة حقيقية لا يلتفت إليها كثيرون.

كما أن المقارنة لا تنصف أحدًا. نرى النتيجة ولا نرى الطريق. نرى المنصب ولا نعرف سنوات الانتظار. نرى الأسرة المتماسكة ولا نعرف ما جرى خلف الأبواب. نرى الثراء ولا نعرف ثمنه، وربما لو عرفناه لما تمنيناه. ومع ذلك، نصدر أحكامًا قاسية على حياتنا اعتمادًا على مشهد مبتور.

ولا يعني هذا أن نختبئ من نجاح الآخرين أو نتظاهر بأننا لا نتأثر. هذا كلام مثالي أكثر من اللازم. الإنسان يتأثر، ويغار أحيانًا، ويشعر بالنقص، وربما يتمنى ما لدى غيره. لا عيب في الاعتراف بذلك. العيب أن يترك هذه المشاعر تقوده، وأن يسمح لها بتحويل حياته إلى نسخة متأخرة من حياة شخص آخر.

ليس المطلوب أن نتوقف عن النظر إلى الخارج، بل أن نعود إلى الداخل بعد كل نظرة. أن نسأل: هل ما أراه يناسبني فعلًا، أم أنني أريده فقط لأن غيري يملكه؟ هل أسعى إلى حياة تشبهني، أم إلى صورة تمنحني قبول الناس؟

في رأيي، أخطر ما تفعله المقارنة أنها تجعل الإنسان حاضرًا في حياة الجميع، وغائبًا عن حياته. يعرف من نجح، ومن سافر، ومن اشترى، ومن ترقّى، لكنه لا يعرف ماذا يريد هو، ولا ما الذي يستحق أن يفرح به.

ولذلك، فالمشكلة ليست في أن يكون لدى الآخرين أكثر، بل في أن نفقد القدرة على رؤية ما لدينا.

ليس أفقر الناس من قلّ نصيبه، بل من ظلّ يعدّ نصيب الآخرين حتى نسي نصيبه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.