ألا تلاحظون معي أن صورة العلاقة الزوجية في بعض البيوت أخذت تنقلب على نحو يثير القلق، ولا سيما لدى كثير من الأسر العربية المقيمة في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وكندا وغيرها من الدول المتقدمة، التي حطّت فيها رحال أعداد كبيرة من اللاجئين القادمين من سوريا وغيرها؟
فقد غدا الزوج، الذي يُفترض أن يكون شريكًا أصيلًا في بناء الأسرة، في بعض الحالات مجرد حضور باهت داخل منزله، لا يُستشار أحيانًا، ولا يُؤخذ رأيه بالجدية التي يستحقها، وكأن المطلوب منه أن يؤدي واجباته بصمت، وأن يكتفي بدور المموّل والمتفرج، بينما تُدار تفاصيل الحياة من حوله وكأنها لا تعنيه.
ليست القضية دفاعًا عن سلطة الرجل المطلقة، ولا حنينًا إلى زمن كانت فيه المرأة محرومة من حقها في الاختيار والتعبير، بل هي اعتراض على انتقال بعض العلاقات من ظلم قديم إلى ظلم معاكس، ومن هيمنة طرف إلى هيمنة طرف آخر. فالخطأ لا يُصبح صوابًا لمجرد أن من يُمارسه قد تغيّر، والاستبداد لا يُصبح حرية حين ترتديه المرأة بدلاً من الرجل.
في بعض البيوت، تكاد الحياة الزوجية تفقد معناها الحقيقي. تنشغل الزوجة بالساعات في أحاديث هاتفية وسوالف متكرّرة وعلاقات اجتماعية لا تنتهي، بينما يُصبح الحوار مع الزوج عبئًا مؤجلاً، وربما مهمة ثقيلة لا تجد لها وقتًا. تُمنح التفاصيل الخارجية الاهتمام والصبر والابتسامة، بينما لا يجد الرجل في بيته سوى التعب والتبرم والوجوه العابسة.
وقد تتحول أعمال المنزل نفسها، على أهميتها، إلى ستار تختبئ خلفه العلاقة المتصدّعة. تنظيف لا ينتهي، وترتيب يُعاد مرات، وانشغال دائم بالمطبخ والتفاصيل، حتى يبدو البيت في غاية النظام، بينما العلاقة بين ساكنيه تغرق في الفوضى.
فما قيمة بيت تلمع أرضيته بينما تنطفئ المودة في داخله؟ وما جدوى أن تكون الأشياء في أماكنها، إذا لم يعد الزوج يعرف مكانه في قلب شريكة حياته؟
المؤلم أن بعض الأزواج يُساهمون، من حيث لا يشعرون، في صناعة هذا الواقع. فالزوج الذي يتنازل كل مرة حتى لا تقع مشكلة، ويصمت أمام الإهانة حرصًا على الأولاد، ويتغاضى عن التجاوزات حفاظًا على البيت، قد يكتشف بعد سنوات أن احترامه فُهم ضعفًا، وأن صبره اعتُبر عجزًا، وأن تنازلاته المتكرّرة تحولت إلى حقوق مكتسبة للطرف الآخر.
يبدأ الأمر صغيرًا: قرار يُتخذ من دونه، وخروج لا يعلم به إلا لاحقًا، وأمر يخص الأسرة لا يُستشار فيه، وكلمة قاسية تمر من دون اعتذار. ثم تتسع الدائرة.
يصبح الاعتراض "تسلطًا"، والسؤال "تدخلاً"، وإبداء الرأي "تحكمًا"، حتى يجد الرجل نفسه مضطرًا إلى التفكير ألف مرة قبل أن يتحدّث في بيته، خشية أن ينقلب النقاش إلى شجار، أو أن يُستقبل رأيه بسيل من التوبيخ والتجريح.
وهنا لا يعود الصمت حكمة، بل يتحول إلى علامة على اختلال خطير في ميزان العلاقة.
إن خروج الزوجة واتخاذها قرارات تمس الحياة المشتركة دون تشاور مع زوجها ليس تعبيرًا عن الحرية كما يظن البعض. فالحرية داخل الزواج ليست أن يعيش كل طرف وكأنه أعزب تحت سقف مشترك، وليست أن يتصرف أحدهما دون أدنى اعتبار لمشاعر الآخر، ثم يطالبه بالصمت تحت شعار "هذه حياتي".
نعم، هي حياتك، ولكنك حين اخترت الزواج أصبحت هناك أيضًا حياتنا. وهذه المساحة المشتركة لا يمكن أن تُدار بالعناد أو فرض الأمر الواقع.
وكما لا يحق للزوج أن يعامل زوجته كقاصر تحتاج إلى إذنه في كل تفصيل، لا يحق للزوجة أيضًا أن تتعامل مع زوجها كقطعة أثاث في المنزل، موجودة، ولكن لا رأي لها، ولا قيمة لمشاعرها، ولا ضرورة لأخذها في الحسبان.
المساواة لا تعني إلغاء الرجل، كما أن القوامة لا تعني إلغاء المرأة. والاستقلال لا يعني الاستغناء عن الشريك.
أما أن يصبح الزوج آخر من يعلم، وآخر من يُستشار، وأول من يُطالب بالمال والمسؤوليات، ثم يُطلب منه فوق ذلك أن يبتلع اعتراضه ويبتسم، فهذه ليست شراكة، بل صورة مشوّهة لعلاقة فقدت توازنها.
لقد ساهمت بعض المفاهيم الاجتماعية الحديثة في خلق التباس خطير بين "تحرير المرأة" وتحويلها إلى سلطة لا تُراجع. فصارت بعض النساء ينظرن إلى أي اعتراض من الزوج بوصفه محاولة للسيطرة، حتى لو كان اعتراضًا طبيعيًا يتعلق ببيت مشترك أو أبناء أو قرارات أسرية.
وفي المقابل، أصبح بعض الرجال يخشون التعبير عن مواقفهم حتى لا يُتهموا بالتخلّف أو الذكورية، فاختاروا الصمت، ثم دفعوا ثمن صمتهم تهميشًا متزايدًا.
لكن الزواج الذي يخاف فيه الزوج من الكلام ليس زواجًا صحيًا. والبيت الذي تحتاج فيه الزوجة إلى رفع صوتها وإهانة شريكها حتى تثبت قوتها ليس بيتًا متوازنًا.
ولا يمكن لعلاقة أن تستقيم حين يشعر أحد طرفيها بأنه السيد، والآخر بأنه مطالب دائمًا بالتكيف والتنازل.
الحل ليس في أن يستعيد الرجل عصا السلطة، ولا في أن تُجرّد المرأة من استقلالها، وإنما في إعادة كل طرف إلى موقعه الطبيعي، شريكًا لا تابعًا، ورفيقًا لا خصمًا.
على الزوجة أن تدرك أن احترام الزوج ليس خضوعًا، وأن استشارته ليست انتقاصًا من شخصيتها، وأن مراعاة مشاعره لا تنتقص من حريتها. كما ينبغي للزوج أن يعرف أن الصمت المستمر أمام الإهانة ليس حكمة، وأن التنازل بلا حدود لا يبني بيتًا، بل قد يصنع طرفًا متسلطًا وطرفًا منسحبًا.
العلاقة الزوجية لا تستقيم حين تكون هناك امرأة تهيمن ورجل يتوارى، كما لا تستقيم حين يكون هناك رجل يأمر وامرأة تُلغى.
إنها تحتاج إلى شخصين يعرف كل منهما حدوده وحقوقه وواجباته. فالبيت ليس مملكة لأحد، ولا ينبغي أن يكون فيه منتصر ومهزوم. وحين تحاول الزوجة أن تنتصر على زوجها بالإقصاء أو الإهانة أو فرض الأمر الواقع، فإنها قد تنتصر في معركة صغيرة، لكنها تخسر شيئًا أكبر بكثير: احترام رجل كان يومًا أقرب الناس إليها. والحب الذي يفقد الاحترام لا يعيش طويلاً.
فالزواج الحقيقي ليس هيمنة أحدهما على الآخر، بل أن يشعر كلاهما بأنه مسموع ومحترم ومعتبر، وأن يكون القرار ثمرة تفاهم، لا نتيجة خوف أو صمت أو فرض أمر واقع، لا سيما أن أخطر ما يمكن أن يحدث في الزواج ليس أن يختلف الزوجان، بل أن يصل أحدهما إلى مرحلة يقول فيها بصمت:
لم يعد لي مكان في هذا البيت سوى أن أكون موجودًا فيه.


