: آخر تحديث

حين يصبح السلام تهمة في إسرائيل

3
2
3

حين تتحوّل لغة القوة والضم إلى بديل عن لغة التسوية، يغدو مجرد التفكير في السلام موضع اتهام. قراءة في بنية سياسية أعادت ترتيب مفاهيمها ومؤسساتها حول فكرة ألا نهاية للاحتلال.

لم يعد السلام في إسرائيل مجرد مشروع سياسي متعثّر، بل صار مفهومًا يثير الريبة داخل الخطاب الحاكم. كان هناك زمن تُطرح فيه المفاوضات والتسوية والتعايش بوصفها أهدافًا مشروعة للنقاش العام، مهما كانت محدودية نتائجها. أما اليوم، فقد تراجعت تلك المفردات لتحل محلها لغة السيادة والضم والسيطرة الدائمة. لم يعد السلام يُقدَّم باعتباره خيارًا صعبًا، بل وهمًا أو ضعفًا، وأحيانًا خيانة، فيما تُقدَّم القوة وحدها بوصفها الواقعية السياسية.

ويظهر هذا التحوّل بأوضح صوره في الضفة الغربية المحتلة، حيث لم تعد اعتداءات المستوطنين ظاهرة هامشية يمكن فصلها عن سياسات الدولة، بل أصبحت جزءًا من البنية التي تقوم عليها منظومة الاحتلال نفسها. فالحديث المتكرّر عن "مستوطنين متطرفين" منفصلين عن الدولة لم يعد يصمد أمام الوقائع. فالعنف الذي يمارسه هؤلاء لا يقع خارج الدولة، بل داخل منظومة أنشأتها الدولة، وتحميها قواتها المسلحة، وتموّلها مؤسساتها، ويوفّر لها قادتها السياسيون الغطاء القانوني والسياسي.

ولم يحدث هذا الانقلاب في المفاهيم بين ليلة وضحاها. فمنذ أن تعثّرت تسوية أوسلو وتحوّلت "المرحلة الانتقالية" إلى وضع دائم، أخذت فكرة السلام تفقد رصيدها في الوعي العام الإسرائيلي. جيل كامل نشأ لا يعرف من الفلسطيني إلا صورة العدو أو الغائب، ولا يعرف من الضفة إلا الحاجز والمستوطنة والطريق الالتفافي. وحين يغيب الآخر عن الأفق الإنساني، يصير إنكار حقوقه أمرًا بديهيًا لا يحتاج إلى تبرير. هكذا مهّدت عقود من إدارة الاحتلال، لا حلّه، الطريق إلى لحظة صار فيها السلام نفسه موضع اتهام.

شهدت القرى الفلسطينية خلال الأشهر الأخيرة اقتحامات متكرّرة واعتداءات مسلحة وعمليات حرق للمنازل والمركبات والأراضي الزراعية. واقتُلعت أشجار الزيتون، وأُحرقت الحقول، وطُرد الرعاة من مراعيهم، وأُجبرت تجمعات بدوية كاملة على مغادرة الأراضي التي عاشت فيها عقودًا طويلة.

ولا تكمن أهمية هذه الاعتداءات في كل حادثة على حدة، بل في النمط الذي تصنعه. تبدأ العملية بترهيب المجتمع المحلي، ثم تصبح الطرق الزراعية غير آمنة، ويُمنع المزارعون من الوصول إلى أراضيهم، ويتوقّف الأطفال عن السير إلى مدارسهم، ثم تُعلن المنطقة "منطقة عسكرية مغلقة"، وغالبًا ما يُمنع الفلسطينيون من دخولها أكثر مما يُمنع المستوطنون الذين هاجموهم. وبعد فترة قصيرة، ترحل العائلات، ويُعاد رسم الجغرافيا على الأرض دون إعلان رسمي بالضم.

فما يُقدَّم في الخطاب الرسمي باعتباره "حادثة أمنية" يتحوّل عمليًا إلى وسيلة للاستيلاء على الأرض.

وقد بلورت الحركة الاستيطانية، على مدى سنوات، ما يشبه العقيدة، تختصرها عبارة "تدفيع الثمن": كل خطوة نحو تقييد الاستيطان، ولو كانت رمزية، يُرد عليها بعنف ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم. والغاية ليست الانتقام وحده، بل إرساء معادلة ردع مقلوبة تجعل الدولة نفسها تتردّد قبل أن تمس أي بؤرة، خشية الفوضى. وهكذا، لم يعد المستوطن المتشدّد خارجًا على الدولة فحسب، بل شريكًا يفرض عليها إيقاعه، ويعيد تعريف حدود ما تجرؤ على فعله.

ويزيد الأمر تعقيدًا أن المسافة بين المستوطن المسلّح والجندي تكاد تتلاشى. فكثير من المستوطنين يحملون السلاح بترخيص رسمي، ويخدمون في أطر إقليمية، ويشاركون في مهمات توصف بأنها "أمنية" جنبًا إلى جنب مع الجيش. وحين يقع الاعتداء، يصعب على الشاهد أن يميّز من يطلق النار: أهو مدني أم عسكري؟ وهذا الغموض ليس عرضيًا، بل وظيفيًا، إذ يتيح للدولة أن تمضي في سياسة التهجير بأيد تبدو مدنية، فتتجنّب المسؤولية المباشرة، بينما تحقّق النتيجة ذاتها.

وليس هذا النمط تجريدًا نظريًا، بل تجسّد بأوضح صوره في قرية تل جنوب غربي نابلس صباح الرابع والعشرين من تموز (يوليو) 2026. ففي ذلك اليوم، اقتحم نحو عشرين مستوطنًا مسلّحًا، قدموا من بؤرة حافات جلعاد الاستيطانية، الطرف الشرقي من القرية، وحاولوا اقتحام المنازل، فتصدّى لهم الأهالي ودفعوهم إلى التراجع، ثم عادوا بعد وقت قصير مسنودين بعناصر من "فرقة التأمين" المدنية التابعة للمستوطنة وبجنود متمركزين قربها. وحين أطلق المستوطنون النار، انتزع أحد سكان القرية سلاح أحدهم وردّ إطلاق النار، فسقط في المواجهة أربعة فلسطينيين وإسرائيليان. واللافت أن أحد القتيلين الإسرائيليين، بنياهو ميليت، لم يكن جنديًا نظاميًا، بل كان يتزعّم "فرقة التأمين" المدنية في المستوطنة، وهي إحدى الفرق التي أنشأتها وزارة الأمن القومي في المستوطنات بعد السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، ومنحتها أسلحة وأزياء وصلاحيات شبه شرطية، على نحو ما وثّقته منظمة هيومن رايتس ووتش. وهكذا، تختصر حادثة واحدة ذلك المحو للحد الفاصل بين المستوطن والجندي، فالقتيل مدني في الرواية الرسمية، ومسلّح شبه نظامي في الوظيفة.

غير أن الأهم من الحادثة هو ما أعقبها. فبدلاً من أن تُحاسب الدولة المستوطنين الذين أقرّت مراجعتها العسكرية نفسها بأنهم دخلوا مناطق محظورة عليهم من دون تنسيق مسبق، ووصفت اندفاعهم بأنه "نزهة"، مضت في الاتجاه المعاكس تمامًا: سارعت الحكومة إلى وصف ما جرى بأنه "عمل إرهابي"، وأعادت نشر كتائب في الضفة، وأطلقت "عملية واسعة لمكافحة الإرهاب" اعتُقل فيها العشرات، وأغلقت الطرق والحواجز حول تل ونابلس، بل داهمت مستشفى في نابلس لاعتقال جريحين. وخلال أيام، اجتاحت مجموعات المستوطنين عشرات القرى، وأُحرق مسجدان في قصرة وكور، وأُقيمت بؤر استيطانية جديدة، إحداها على أرض تل نفسها. أما وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، فطالب علنًا بأن تُعامل تل والقرى المجاورة كما تُعامل مخيمات اللاجئين في نابلس، أي بالهدم. وهكذا، تحوّل مقتل عنصر من فرقة استيطانية إلى ذريعة لتسريع المشروع ذاته الذي وفّرت له الحادثة غطاء جديدًا: مزيد من السيطرة العسكرية، ومزيد من الاستيطان، ومزيد من الأرض المصادرة.

ولا يمكن لهذا المسار أن يستمر لولا الدعم الذي توفّره الدولة. فالمستوطنات تعتمد على التمويل الحكومي، والطرق، والكهرباء، والمياه، والبنية التحتية، والحماية العسكرية. وحتى البؤر الاستيطانية التي توصف بأنها "غير قانونية" تلقّت، على مدى سنوات، خدمات رسمية ومساندة من مؤسسات الدولة، الأمر الذي جعل الفرق بين "القانوني" و"غير القانوني" أقرب إلى فرق زمني منه إلى فرق قانوني.

ولم يعد بالإمكان الادّعاء بأن هذه السياسات تجري بالرغم من الدولة أو على هامشها. فقد صعد إلى مواقع القرار ساسة خرجوا من قلب الحركة الاستيطانية، وباتوا يمسكون بحقائب الأمن والمالية وإدارة شؤون الضفة، ويعلنون صراحة ما كان يُقال في السابق همسًا: أن الأرض كلها لهم، وأن لا مكان لدولة فلسطينية، وأن توسيع الاستيطان هدف رسمي، لا مجرد أمر واقع يُدار. وهكذا، تلاشى الخط الفاصل بين المستوطن والدولة، لا لأن المستوطن اقترب من الدولة فحسب، بل لأن الدولة تبنّت مشروعه وجعلته سياستها المعلنة.

وتحت هذا الغطاء، تعمل بنية قانونية مزدوجة. ففي الأرض نفسها، يخضع الفلسطيني للقضاء العسكري بكل ما يحمله من إجراءات استثنائية واعتقال إداري ومحاكمات تفتقر إلى ضمانات المحاكمة العادلة، بينما يخضع المستوطن الذي يعيش على بعد أمتار منه للقانون المدني الإسرائيلي بكل ما يمنحه من حقوق وحمايات. الفعل الواحد يُقاس بمقياسين، والأرض الواحدة يحكمها نظامان. وليست هذه الازدواجية خللاً عارضًا في منظومة العدالة، بل هي جوهر النظام القائم في المنطقة المصنّفة "ج"، حيث تتركّز السيطرة على الأرض والموارد والتخطيط في يد الإدارة العسكرية ومن يدور في فلكها.

ومن منظور القانون الدولي، فإن نقل السكان إلى أرض محتلة، وتدمير الممتلكات المدنية، وتهجير السكان قسرًا، أفعال يحظرها القانون الإنساني الدولي حظرًا صريحًا. غير أن الخطاب الرسمي أتقن، على مدى عقود، تحويل غير القانوني إلى واقع يُدار، ثم إلى وضع يُطبَّع، حتى بات الحديث عن القانون نفسه يُقدَّم كأنه انحياز سياسي، لا كأنه المعيار الذي يُفترض أن يحتكم إليه الجميع. وهنا تتكشّف المفارقة الكبرى: أن يُتهم من يطالب بتطبيق القانون بأنه يسيّس القضية، بينما يُقدَّم خرقه المنهجي بوصفه دفاعًا عن الأمن.

وثمة منطق اقتصادي يعزّز هذا المسار. فالاستيطان ليس مبادرات فردية لأفراد متحمّسين، بل مشروع وطني له بنوده في الموازنة، ومؤسساته التمويلية، وحوافزه التي تجعل الانتقال إلى ما وراء الخط الأخضر خيارًا مغريًا اقتصاديًا لكثير من الإسرائيليين. وحين تتحوّل مصادرة الأرض إلى استثمار، وتصبح البؤرة غير القانونية اليوم حيًا معترفًا به غدًا، يغدو الزمن نفسه أداة من أدوات الضم، يكفي أن تنتظر المنظومة حتى "تُسوّى" الأوضاع، فيُمنح ما بدأ مخالفًا صفة الشرعية بأثر رجعي.

والنتيجة التراكمية لكل ذلك هي محو الخط الأخضر بوصفه حدًا سياسيًا وقانونيًا. فالضم الذي يتردّد ساسة كثيرون في إعلانه صراحة، خشية كلفته الدولية، يجري تنفيذه على الأرض قطعة قطعة: طريق يشق أرضًا، وبؤرة تُقام على تلّة، ومنطقة عسكرية تُغلق، وعائلة تُهجّر. لا حاجة إلى مرسوم ضم حين يمكن تحقيق نتائجه بالوقائع. أما "حل الدولتين" فلم يعد سوى عبارة تُردّد في البيانات الدبلوماسية، بينما تتقلّص الأرض التي يُفترض أن تقوم عليها الدولة الموعودة يومًا بعد يوم.

غير أن ما يجري على الأرض لا يمكن فصله عما يجري في اللغة، فحين تُعاد صياغة المفردات تُعاد صياغة حدود الممكن السياسي. لقد جرى، على مدى سنوات، إفراغ كلمة "السلام" من مضمونها حتى صارت في المزاج العام قرينة السذاجة، وصار الحديث عن حقوق الفلسطينيين أو عن نهاية الاحتلال ضربًا من الترف الأخلاقي الذي لا مكان له في زمن "الحسم". ولم يقتصر هذا التحوّل على اليمين المتطرف وحده، بل تسرّب إلى الوسط السياسي الذي بات يتبنّى لغته من دون أن يعلن انتماءه إليه. أما ما تبقّى من "معسكر السلام"، فقد دُفع إلى هامش المشهد، يُنظر إليه بوصفه بقايا زمن انقضى، لا شريكًا في رسم المستقبل.

ولا يكتمل هذا المشهد من دون بُعده الدولي. فالإدانات المتكرّرة لعنف المستوطنين، حين تصدر، نادرًا ما تتحوّل إلى كلفة فعلية. ولغة "الطرفين" التي تعامل المحتل والواقع تحت الاحتلال بوصفهما ندّين متكافئين تُنتج تكافؤًا زائفًا يخفي اختلال موازين القوة. وحين تبقى الإدانة بلا أثر، وتُستأنف المساعدات والعلاقات والتسليح من دون شرط، تُقرأ هذه المفارقة في تل أبيب كما تُقرأ في الميدان: بوصفها ضوءًا أخضر. فالإفلات من العقاب في الخارج هو الوقود الذي يغذّي الاطمئنان في الداخل.

غير أن الثمن الأعمق لهذا التحوّل قد يدفعه المجتمع الإسرائيلي نفسه. فحين يُعاد تعريف السلام بوصفه تهديدًا، ويُعاد تعريف التعايش بوصفه خيانة، يضيق أفق المخيّلة السياسية إلى حد الاختناق. مجتمع يُقنع نفسه بأن القوة وحدها تصنع الأمن، وأن الدوام ممكن بلا عدل، إنما يبني أمنه على رمل متحرّك. لقد أثبت التاريخ مرارًا أن السيطرة الدائمة على شعب آخر لا تنتج استقرارًا، بل تؤجّل الانفجار وتضاعف كلفته. والدولة التي تجرّم السؤال عن السلام تحرم نفسها من الأداة الوحيدة التي قد تنقذها من دائرة العنف: القدرة على تخيّل نهاية له.

لم يعد القول إن السلام أصبح تهمة في إسرائيل استعارة بلاغية، بل وصفًا دقيقًا لتحوّل سياسي عميق أعاد ترتيب مفردات الدولة ومؤسساتها وقوانينها حول فكرة ألا نهاية للاحتلال، وألا شريك يستحق التفاوض، وأن الزمن يعمل لمصلحة الأقوى. والخطر في هذه البنية أنها لا تكتفي بإغلاق باب التسوية، بل تجعل مجرد التفكير فيها فعلاً مشبوهًا. غير أن ما يُقصى من الخطاب لا يختفي من الواقع، فالشعب الذي يُراد له أن يُنسى ما زال على أرضه، والعدل الذي يُؤجّل لا يُلغى. ويبقى السؤال الذي تحاول هذه المنظومة طمسه هو السؤال ذاته الذي لا مفر منه في النهاية: كيف يعيش شعبان على هذه الأرض من دون أن يحكم أحدهما الآخر إلى الأبد؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.