: آخر تحديث

عيد ميلاد سعيد في السجن

4
3
4

لم أتوقف عن البكاء، ولا حتى لثانية واحدة.

كان البكاء يأتيني كالعاصفة، فجأة ومن دون إنذار، كأن شيئًا ثقيلًا استقر فوق قلبي ولم يعد يريد الرحيل. لم يكن بكاءً هادئًا يمكن احتماله، بل ذلك النوع الذي يهزّ الجسد كله، ويجعل اليدين ترتجفان، والصدر يضيق حتى تظن أن الهواء نفسه أصبح بعيدًا.

كنت أقف أمام القضبان الحديدية، أحدّق من خلالها بلا هدف واضح. كانت باردة وصلبة، مثل الحقيقة التي وجدت نفسي محاصرة داخلها. أمسكت بها بقوة، وكنت أشعر أن جسدي ينتفض من الداخل، وكأن البكاء صار لغة جسدي الوحيدة.

في ذلك المكان، لا يملك الإنسان رفاهية ترتيب مشاعره. الصدمة تأتي دفعة واحدة، كأنها عبء ثقيل يسقط على القلب بلا تمهيد.

لكن وسط ذلك المشهد القاتم، حدث شيء صغير، شيء لم أتوقعه.

من خلف القضبان رأيت فتاة شابة تمرّ في الممر. كانت نحيلة الجسد، ترفع شعرها إلى الأعلى بطريقة بسيطة، وعلى وجهها ملامح براءة تكاد تكون غير مناسبة لذلك المكان القاسي. كانت تحمل بيديها كيكة صغيرة، وفي منتصفها قلم مغروس بدل الشمعة.

كانت الفتيات من حولها يدُرن في دائرة صغيرة، يصفقن ويغنين بصوت خافت لكنه مليء بالحياة:
"هابي بيرثداي"

توقفت للحظة.

كأن المشهد شقّ طريقه وسط حزني، مثل نافذة صغيرة فُتحت فجأة في غرفة مظلمة. مسحت دموعي بسرعة، وحاولت أن أستجمع ابتسامة متعبة، ثم قلت لها من خلف القضبان:

  • عيد ميلاد سعيد.

رفعت رأسها نحوي، وابتسمت تلك الابتسامة الخجولة التي يملكها من لم يتعلم بعد كيف يخفي طيبته. اقتربت قليلًا، وكأنها لم تجد غرابة في أن تأتي التهنئة من امرأة تبكي خلف القضبان.

سألتها، بشيء من الجرأة التي يولدها الحزن أحيانًا:

  • كم عمرك اليوم؟

قالت ببساطة:

  • سبعة وعشرون عامًا.

هززت رأسي وقلت:

  • العمر كله.

كانت الكلمات عادية جدًا، لكنها خرجت مني كأنني أقدم لها شيئًا أثمن من مجرد جملة تهنئة.

ثم نظرت إليّ قليلًا، وتأملت وجهي الذي لم يجف بعد من الدموع، وقالت فجأة وبصوت هادئ:

  • وهل يمكنكِ التوقف عن البكاء؟

توقفت.

لم أعرف كيف أفسّر ما شعرت به في تلك اللحظة. كان طلبها بسيطًا جدًا، لكنه بدا لي كأنه يطلب مني شيئًا مستحيلًا. كأنها تقول: خذي قلبك من صدرك واخلعيه، ثم عيشي بلا ألم.

ابتسمت لها ابتسامة مرتبكة، وكنت أريد أن أطيل الحديث معها، ربما لأن صوتها بدا إنسانيًا في مكانٍ اعتاد أن يسلب الناس إنسانيتهم.

سألتها:

  • ولماذا أنتِ هنا؟

لم تتردد كثيرًا. تنهدت أولًا، زفيرًا طويلًا خرج من صدرها كأنه يحمل حكاية كاملة، ثم قالت كلمة واحدة:

  • لاريكا.

فهمت فورًا. كانت تلك الكلمة كافية لتختصر مسارًا كاملًا من السقوط.

سألتها:

  • تعاطي، أم تجارة؟

أجابت وهي تزفر الهواء مرة أخرى، بنبرة خيبة واضحة:

  • تجارة.

ثم انتهى الحديث.

لم نكمل شيئًا بعد ذلك. لا أعرف لماذا، ربما لأن بعض القصص لا تحتاج إلى المزيد من الكلمات. يكفي أن تُقال الحقيقة مرة واحدة، ثم يسود الصمت.

عدت بنظري إلى العنبر من حولي.

معظم النزيلات كنّ من أفريقيا، وجوه مختلفة، ولغات متعددة، وعيون تحمل قصصًا ثقيلة لا تُروى بسهولة. أما نحن العربيات فكنا أربعًا فقط: شهد، وغزلان، وأم سعد، ومريم.

ثمانية أيام فقط، لكنها بدت لي كأنها زمن كامل.

كانت أم سعد، العجوز الوحيدة بيننا، شخصية لا يمكن تجاهلها. امرأة تجاوزت العمر، لكنها لم تتجاوز حدّة لسانها. كانت تشتكي طوال الوقت من الجميع، وتملك طاقة لا تنتهي لكتابة الخطابات.

لم تتوقف لحظة عن كتابة الشكاوى والرسائل ضد النزيلات. كانت تمسك القلم كأنه سلاحها الوحيد، وتكتب باندفاعٍ يجعلني أتعجب من قدرتها على تحويل كل يوم إلى معركة جديدة.

في ذلك المكان، كانت الحكايات تتراكم مثل الظلال.

كل امرأة تحمل خلفها حياة كاملة: أخطاء، وظروف، وقرارات خاطئة، أو ربما لحظة واحدة غيّرت كل شيء.

لكن ما بقي عالقًا في ذاكرتي أكثر من أي شيء آخر، لم يكن صراخ السجن ولا صمته.

بل تلك الفتاة النحيلة.

الفتاة التي كانت تحمل كيكة صغيرة، وفي وسطها قلم بدل الشمعة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.