في تغريدة له بتاريخ 5 آذار (مارس)، وبعد أيام من بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، كتب السيناتور بيرني ساندرز: "المتطرف نتنياهو الذي قتل 75 ألفًا في غزة، الذي قال إن غزو العراق سينتج عنه صدى إيجابي هائل، المتطرف الذي يدفع الولايات المتحدة إلى الحرب على إيران منذ عقود، وجد أخيرًا رئيسًا يقول له نعم، إنها تراجيديا"، لخص المأزق الذي وضع ترامب فيه نفسه، ووضع الولايات المتحدة في مسار آخر لا يقود إلا إلى الفوضى في منطقة لا تحتاج إلى المزيد منها.
فلم تكن هذه حرب الولايات المتحدة من الأساس، بل هي الحرب التي كانت تسعى إسرائيل إلى جر الولايات المتحدة إليها منذ عقود كما أشار ساندرز، وأكده الكولونيل ديريك هارفي، وهو أحد أبرز المحللين في الاستخبارات الذين تستند تحليلاتهم إلى الحقائق، وكان يشغل منصب مدير قسم الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي، في ولاية ترامب الأولى، حين قدم تصوراته بشأن إمكانية نشوب حرب في الشرق الأوسط، حين ذكر بالتحديد: "إن من شأن نشوب حرب إيرانية - إسرائيلية جر الولايات المتحدة إلى النزاع، وإفشال الجهود الرامية إلى جلب الاستقرار إلى المنطقة". كما أن أغلب ما كانت تناقشه الولايات المتحدة في جولات مفاوضاتها مع إيران لم تكن تمثل مصادر خطر حقيقية للولايات المتحدة باستثناء البرنامج النووي، مثل البرنامج الصاروخي لإيران، وكبح جماح التنظيمات المسلحة المرتبطة بها مثل حزب الله اللبناني وغيره، بل هي اهتمامات إسرائيلية وضعت على طاولة التفاوض بطلب إسرائيلي ربما بهدف إفشالها، كما حدث لاحقًا لأغلب جولات المفاوضات في زمن ترامب. لأن الاستقرار لا يخدم نزوع الهيمنة على المنطقة الذي ينتهجه اليمين المتطرف في إسرائيل بزعامة نتنياهو، الذي لم يتأخر في قضم أجزاء جديدة من سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، مع أن نظامها الجديد لم يشكل تهديدًا لها، وقضم أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة، ويسعى إلى ضم أجزاء جديدة من جنوب لبنان من خلال ذريعة "إبعاد التهديد الذي يشكله حزب الله على شمال إسرائيل". وما زالت إسرائيل لا تريد لهذه الحرب أن تنتهي، وستعمل بكل وسائلها الاستخبارية، والإعلامية والسياسية، إلى عرقلة التوصل إلى إيقافها. وسأذكر بعض التصورات عن الدوافع والأسباب التي تدفع إسرائيل إلى عرقلة وقف الحرب، وثمة أسباب أخرى لا مجال لذكرها هنا:
أولًا: ليس الهدف من الحرب هو إضعاف إيران فقط، بل الهدف إدخال المنطقة إلى الفوضى من خلال دفع أطراف أخرى إلى الدخول فيها، وإعادة رسم مناطق النفوذ تبعًا لنتيجتها، وإرادة الأطراف المشاركة فيها، وتقسيم مناطق النفوذ سيشمل حتى تلك البلدان التي لم تدخل الحرب إلى جانب الولايات المتحدة.
ثانيًا: لن يتاح لإسرائيل مثل هذه الفرصة في المستقبل في جر الولايات المتحدة إلى صفها في حرب ضد إيران، في ظل اطلاع جمهور كبير من الأميركيين على جرائمها في قطاع غزة، والضفة الغربية، أثناء حرب غزة وبعدها، من الذين يرون أن ممارسات إسرائيل لا تدعم السردية الرسمية الأميركية التي تعد إسرائيل "دولة ديموقراطية" وحليفًا جديرًا بدعمها، وهو جمهور آخذ بالاتساع، وبدأ كتاب ومفكرون، ووسائل إعلام تفصح عن رفضها وانتقادها الشديد لانجرار الولايات المتحدة إلى مغامرات إسرائيل، والخضوع لما يمليه ويريده اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، ما سيكبل يد أي رئيس أميركي سيأتي بعد ترامب، بل قد يكون "تصحيح سياسات ترامب" من أولى أولوياته.
ثالثًا: حتى ترامب لم يكن يريد إسقاط النظام في إيران عن طريق الحرب، لأن ذلك يتطلب قوات على الأرض، وكلفًا باهظة لم يكن ترامب، ولا الشعب الأميركي مستعدًا لها، ولأن الفوضى الناتجة عن ذلك لا تخدم الولايات المتحدة، ولا تحقق مصالحها في تأمين سلسلة إمداد الطاقة، لذلك أعلن ترامب أكثر من مرة أن هدف الحرب ليس إسقاط النظام الإيراني، لكنه بالتأكيد هدف إسرائيلي، لأنه يحقق لها الفوضى التي تسعى إليها، والتي ستخرج منها، حسب تصورات نتنياهو، "دولة عظمى إلى جانب الولايات المتحدة". وصورت إسرائيل عبر الموساد، كما تحدثت مصادر إعلامية، أن إسقاط النظام سيتحقق بانتفاضة من الداخل، بمجرد بدء الضربات الجوية وقتل قادة الصف الأول فيها، وهو ما تجاوزته إيران بطريقة فاجأت أعداءها.
رابعًا: لم تخرج بعض الدول العربية، لا سيما تلك المؤثرة في الصراع المباشر مع إسرائيل، من حالة الهشاشة التي نتجت عن حروب أو مشاكل داخلية كبيرة، مثل العراق، وسوريا، وليبيا، وعدد آخر أنهكته الحروب الداخلية مثل السودان، واليمن، ما يمثل وقتًا مثاليًا لإسرائيل في التمادي في التوسع وتحقيق حلم "إسرائيل الكبرى".
خامسًا: لم يعد النظام الدولي فاعلًا في منع الحروب أو تصاعد وتيرتها أو الحد من تأثيراتها، بل عمل ترامب على إلغائه وإحلال نظام جديد يستند إلى القوة وإفرازاتها، فأنشأ "مجلس السلام العالمي" الذي كانت الحرب مع إيران أولى ثماره، ما شجع إسرائيل على التماهي مع تأسيس هذا المجلس ليحل محل مجلس الأمن، الأمر الذي وفّر مناخًا عالميًا جديدًا، قد لا يستمر طويلًا، يخدم سياسات وتطلعات نتنياهو.
أثبتت الأحداث صحة آراء عدد من المحللين في أن المهلة التي منحها ترامب لإيران لفتح مضيق هرمز، التي تنتهي يوم الثلاثاء 24 آذار (مارس) 2026، كانت تصعيدًا يهدف إلى رفع سقف التهديد للتمهيد للمفاوضات، فتمديد المهلة إلى تاريخ جديد، مع ما أعلن عن وجود "مفاوضات" و"15 بندًا أميركيًا للتفاوض"، يكشف حجم المأزق الذي يحاول ترامب الخروج منه، فما هو على المحك تصاعد وتيرة الحرب لتشمل كل شيء، وهو ما كانت تطمح إليه إسرائيل، وأعدت العدة لاستثماره على أوسع نطاق، وأكد أكثر من مسؤول عسكري فيها، بأنها تعد لضربة كبيرة لمصادر الطاقة في إيران بمجرد انتهاء المهلة التي منحها ترامب لإيران لفتح المضيق، لأن ذلك يمكن أن يقود إلى دخول أطراف أخرى للحرب، ما يمثل أفضل توقيت لإسرائيل، لضرب ضربتها، التي لا أريد الخوض فيها هنا.
ويبقى ثمة احتمال قد لا يرد على أذهان البعض، هو أن تمديد المهلة الممنوحة لإيران مدة خمسة أيام أخرى لفتح مضيق هرمز، الغرض منه محاولة ابتزاز دول الخليج ووضعها بين خيار "الدفع" أو المزيد من التصعيد المتمثل بدفع إيران إلى ضرب محطات الطاقة كرد فعل على ضرب محطات الطاقة التي هدد بضربها ترامب في حالة عدم استجابتها لطلب فتح المضيق.
وإذا افترضنا صدق توجهات ترامب لإنهاء الحرب، فثمة معرقلات أخرى غير مساعي إسرائيل لعرقلة مسار التفاوض، وإتمام عملية مفاوضات تؤدي إلى "إنهاء الحرب"، مثل اشتراط إيران شمول الجبهة اللبنانية في الاتفاق، أمر لا يريده نتنياهو، وهو يريد استمرار الحرب، وإذا لم يكن ذلك ممكنًا، فاستمرار الحرب في الجبهة اللبنانية. ويعود ذلك لأسباب تتعلق بأهداف "شخصية" لنتنياهو الذي تنتظره محاكمات تتعلق بقضايا فساد، طلب محاموه أكثر من مرة إبطالها، بذريعة انخراطه في حرب "تهدد كيان الدولة"، فضلًا عن أنه لم يخرج منتصرًا في حرب غزة مع استمرار قصفها بكافة الأسلحة مدة عامين، وهي حرب بين جيش يعد الأكبر في المنطقة، ويمتلك أكثر الأسلحة والقذائف تدميرًا وفتكًا في العالم، مع "مجموعات مسلحة غير نظامية" لا تمتلك إلا أسلحة خفيفة ومتوسطة، لذلك تراه ينتقل من حرب إلى حرب، ولن ينفك يفعل ذلك ما دامت الهزائم العسكرية والسياسية تلاحقه، على أمل تحقيق نصر يمكن أن يغفر له الإخفاق في تحقيق أهدافه المعلنة في حروبه السابقة.
وإذا افترضنا قبول الولايات المتحدة بهذا الشرط، وضغطها على نتنياهو لقبوله، فكيف سيتحقق إنهاء الحرب هناك، وإسرائيل تسعى إلى إنشاء منطقة عازلة قد تصل إلى نهر الليطاني لـ"إبعاد خطر حزب الله عن المنطقة الشمالية لإسرائيل"؟ الأمر الذي سيقود في النهاية إلى موضوع نزع سلاح حزب الله، وفي هذا تفاصيل كثيرة مثل، من الذي يقوم بتنفيذ الأمر؟ ما هي الضمانات لانسحاب إسرائيل من المناطق التي احتلتها، لا سيما أن التجربة السابقة مع الضمانات الفرنسية والأميركية، لم تمنع إسرائيل من مهاجمة لبنان واختراق أجوائه فيما يزيد على ألف وخمسمائة انتهاك لوقف إطلاق النار السابق؟
بالإضافة إلى ذلك، ثمة بون شاسع بين قائمة البنود الأميركية التي سربتها وسائل إعلام إسرائيلية، التي سيجري مناقشتها، وبين الشروط الإيرانية المعلنة، التي من بينها دفع تعويضات لها عن الأضرار التي لحقت بها جراء الحرب، مع أن وجود فرق بين الموقفين أمر طبيعي، لكن التوفيق بينهما والوصول إلى صيغة تسوية مقبولة من الطرفين أمر قد يستغرق أسابيع طويلة.


