كنا قبل أربعين سنة، من تلميح المبعوث الأميركي توم براك إلى إمكانية ضمّ لبنان إلى سوريا، نشرنا في العدد 120 الصادر بتاريخ السبت 27 تموز 1985 من مجلة "التضامن" التي أسستها في لندن وترأست تحريرها، وأوجبت ظروف الحرب العراقية – الإيرانية والارتباكات المتتالية على صعيد توزيع المجلة في دول المشرق العربي ومغربه التوقف بعد عشر سنين من الإصدار، بضع صفحات عن الدور السوري في لبنان، مع مقال تحليلي بنسبة ملحوظة من الموضوعية حول دروس التدخلات والمداخلات، أو "الاستقلال الثاني"، والتساؤل عن استفادة لبنان من هذه الدروس، وبعنوان رئيسي "لبنان حصة الأسد"، وبموافقة دولية وإقليمية؟ وصمّم القسم الفني من المجلة الغلاف، حيث جاء على النحو الآتي: "الرئيس حافظ الأسد مسترخياً على العلم اللبناني المحلّق في فضاء العاصمة بيروت، والشديد القتامة". ومع اللوحة الرمزية الفنية هذه عنوان "لبنان حصة الأسد".
استوقف سياسيين عرباً كثيرين أن "التضامن" التي شعارها "مجلة العرب من المحيط إلى الخليج"، ننشر ما نشرناه، وكذلك الرسم الذي يبدو فيه الرئيس حافظ الأسد في حالة استرخاء أو قيلولة، واضعاً ساقه اليمنى على اليسرى، فيما ذراعاه تحت رأسه، هذا إلى أنه مسترخٍ وسط الأرزة التي هي الشعار التاريخي للبنان.
برّرنا الفعل الصحافي – الفني بأن أحوال لبنان باتت توحي بأن الوطن بات بالكامل في العهدة الأسدية. ثم تأتيني من الرئيس صائب سلام، من غربته العابرة في جنيف، والذي كنت دائم الزيارة له بهدف التنوير ورفع المعنويات، مكالمة هاتفية أضاء فيها، في معرض تصحيح معلومات، على جوهر التاريخ اللبناني.
حول اتصاله وتصحيحاته وضعت مضمونها في زاوية "رسالة من التضامن" التي أخصصها لما هو جدير بالاهتمام الاستثنائي من الأحداث التي تناولتها المجلة، وللإضاءة على مواقف تتصل بمرجعيات سياسية ودينية وفكرية واقتصادية.
كان اتصال صاحب خير وصفة للوضع (الرئيس صائب سلام)، متمثلة بعبارة "لبنان واحد لا لبنانان"، بالنص الآتي:
"أهنئكم على شجاعتكم في تحليل الأحداث اللبنانية وكشف خفاياها. ولكني في الوقت نفسه أصحح لكم معلومة تاريخية وردت فيها أخطاء في موضوع "لبنان حصة الأسد" (العدد 120 - السبت 27/7/1985). فالأقضية الأربعة ليست طرابلس وبيروت وصيدا والبقاع، كما ورد في الموضوع، وإنما هي حاصبيا وراشيا وبعلبك والمعلقة. ولقد أُلحقت حقاً هذه الأقضية التي ظلت تابعة لسوريا بلبنان، أما صيدا وطرابلس فقد كانتا تابعتين لولاية بيروت، والتي كانت حدودها تمتد حتى القدس وتضم أيضاً مرجعيون وصور وعكا ونابلس واللاذقية.
وتابع الرئيس سلام قائلاً: ما زلت أذكر منذ سبعين سنة تقريباً أن والدي سليم سلام (أبو علي)، الذي كان عضواً في مجلس إدارة ولاية بيروت (ما يشبه الحكومة اليوم)، كان يستقبل في منزله وفوداً من نابلس وجنين وعكا واللاذقية تراجعه في أمور تتعلق بمناطقها. وفي أيام العثمانيين كانت هناك ثلاث ولايات فقط في سوريا ولبنان وفلسطين، وهي ولاية بيروت وولاية دمشق وولاية حلب. وكان للقدس نظام خاص اسمه سنجق القدس الممتاز، وكان متصرفية، وكل ولاية فيها عدة متصرفيات (اللاذقية وطرابلس وعكا ونابلس)، ولم تكن بيروت يوماً تابعة لولاية دمشق. أما لبنان فلم يكن له اسم إطلاقاً، بل كانت هناك متصرفية جبل لبنان أو الجبل، وقبل المتصرفية كانت هناك إمارة المشرق. وعن الموضوع نفسه قال الرئيس سلام إن عبدالله المشنوق لم يكن حمصياً بل حموياً و"حربوق" أي شاطر مثل أهل حماة، كما أن عبدالله الحاج لم يكن جنوبياً بل من برج البراجنة في ضواحي بيروت، التي لم يكن لها أيام العثمانيين محافظ، بل رئيس بلدية مسلم سني. وعن حرش بيروت قال إنه موجود منذ ألف سنة، ولم يزرعه إبراهيم باشا بل زاد عليه بعض شجيرات الصنوبر. وعدّد سلام شهداء مقاومة العثمانيين من البيروتيين، فقال إنهم من عائلات طبارة ومحمصاني والعريس. أما ثورة 43 ضد الفرنسيين فقد أضرب البيروتيون خلالها أسبوعين لا أسبوعاً واحداً".
وختم الرئيس سلام تصحيح المعلومات بقوله: "يجب تصحيح تاريخ لبنان الذي يُدرّس في المدارس اللبنانية، لأنه يعلّم اللبنانيين تاريخهم بصورة خاطئة".
يبقى أنني أستحضر هذه المبادرة من جانب الرئيس الحاضر في الذاكرة اللبنانية بعد رحيله يوم 21 كانون الثاني 2000، كون لبنان ومنذ عقدين من الزمن من حصة طيف آخر ربما وجد في حصة الأسد الأب ثم الابن أنها كفيلة بإثبات المكانة، وعلى نحو ذلك الإثبات الذي عاشه لبنان في حرب 1975، وكانت مفاعيله أن الوطن بات لاحقاً متعدد الحصص، إحداها التي أفرزت ما يعيشه لبنان عدواناً ونزوحاً وانقساماً في فضاء المقامات السياسية والحزبية والمذهبية.
أعان الله الوطن وحماه، بأمل أن تتكرس، وإلى الأبد، صيغة "لبنان واحد لا لبنانان"، وصيغة "لا غالب ولا مغلوب" التي اقتبسها الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة وطرحها شعاراً لعهده المتجدد في الرئاسة عام 1999. رحمة الله على الرئيسين الراحلين اللذين كانا، في الزمن الصعب، نموذجاً لإضاءة قناديل السياسة الرشيدة التي حاول كثيرون من خارج الحدود ومن أوساط في كلا الدولتين إطفاءها.
يبقى أيضاً أن هذا الاستحضار لمبادرة الرئيس صائب سلام هو برسم صائب الحفيد الواعد الذي بدأ خطوات سياسية متأنية، والذي نأمل أن يجدد رونق العمل السياسي للوالد الرئيس تمام، وللجد الغائب – الحاضر في الذاكرة.

