هناك رواية آخذة في الانتشار، جذابة في ظاهرها لكنها مضللة في جوهرها، مفادها أن قادة الخليج، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية، يدفعون سرًا الولايات المتحدة نحو تصعيد الحرب مع إيران، حتى إلى حد إرسال قوات برية أميركية. هذه رواية قد تبدو مثيرة، لكنها لا تصمد أمام التدقيق.
الوقائع تشير إلى عكس ذلك تمامًا.
منذ بداية هذا التصعيد، التزم مجلس التعاون الخليجي بلغة واضحة وثابتة: الدفاع، الشرعية، وضبط النفس. فقد استندت بياناته إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تكرس حق الدول في الدفاع عن النفس، مع التأكيد المتكرر على ضرورة التهدئة والحلول الدبلوماسية. لم يصدر أي نداء لغزو إيران، ولا أي دعوة لتغيير النظام، ولا حتى تأييد لتوسيع رقعة الحرب.
هذا ليس خطابًا دبلوماسيًا للاستهلاك، بل يعكس واقعًا استراتيجيًا عميقًا.
دول الخليج تعتمد في استقرارها وازدهارها على بيئة إقليمية مستقرة. مشاريعها الاقتصادية، من تنويع مصادر الدخل إلى تطوير قطاعات السياحة والطيران والخدمات اللوجستية، كلها قائمة على شرط أساسي: غياب الحرب. أي تصعيد واسع، خاصة مع إيران، يهدد هذه الأسس مباشرة.
ارتفاع أسعار النفط قد يبدو مكسبًا ظاهريًا، لكنه في الحقيقة سيف ذو حدين. فالفوضى ترفع كلفة التأمين على الشحن، وتعرض البنية التحتية للطاقة للخطر، وتزعزع استقرار الأسواق. المضيق، وطرق التجارة، والاستثمارات، كلها تصبح رهينة للتوتر.
القول بأن دول الخليج ترغب في حرب برية داخل إيران يتجاهل هذه الحقائق. مثل هذه الحرب لن تبقى داخل حدود إيران، بل ستطال مدن الخليج وموانئه ومنشآته الحيوية.
الواقع أكثر بساطة وأقل درامية: دول الخليج تسعى إلى احتواء الأزمة، لا إشعالها.
صحيح أن هناك قلقًا مشروعًا من النفوذ الإيراني، لكن هذا لا يعني الرغبة في حرب شاملة. الفرق كبير بين احتواء التهديد والدفع نحو انفجار إقليمي.
الرواية التي تصور الخليج كمحرك للحرب تخدم أغراضًا سياسية أكثر مما تعكس الواقع. فهي تحول الانتباه عن القرارات الفعلية في واشنطن، وتعيد صياغة الصراع وكأنه نتيجة ضغوط خارجية، لا خيارات داخلية.
الخليج لم يختر هذه الحرب. بل يحاول تفاديها.
وفي منطقة كهذه، الفوضى ليست أداة. إنها كارثة.


