حين يتحدث الرئيس مسعود بارزاني عن البيشمركة، لا يتحدث من موقع زعيم سياسي يمدح قوة عسكرية، بل من ذاكرة رجل عاش تفاصيلها. صوته يحمل صدى الجبال، وتجربته جزء من تاريخ هذه القوة التي لم تُصنع في مكاتب السلطة، بل في لحظات الخطر. لذلك، حين يتفاخر بها، فهو لا يبالغ، بل يستعيد سردية شعب كامل اختار أن يواجه مصيره بنفسه.
البيشمركة، في معناها الأعمق، ليست مجرد تشكيل عسكري، بل فكرة. كلمة تعني "مواجهة الموت"، لكنها في الواقع تعني رفض الخضوع. منذ بدايات القرن العشرين، تشكلت كحركة مقاومة للدفاع عن الإنسان الكوردي في وجه القمع، ثم تبلورت بشكل واضح مع ثورة أيلول في 11 أيلول (سبتمبر) 1961 بقيادة مصطفى بارزاني، لتتحول إلى قوة منظمة ذات مشروع سياسي. وكما يوضح المؤرخ David McDowall، فإن البيشمركة لم تكن جيشًا تقليديًا، بل "حركة مقاومة اجتماعية" تستمد شرعيتها من المجتمع.
خلال العقود التالية، واجهت هذه القوة واحدة من أكثر الفصول قسوة في تاريخ المنطقة، خاصة في حملة الأنفال (1987–1988) التي قادها نظام صدام حسين، والتي وثقتها Human Rights Watch باعتبارها إبادة جماعية. آلاف القرى دُمّرت، وعشرات الآلاف استشهدوا، لكن البيشمركة لم تنكسر. بقيت، بالرغم من كل شيء، حاملة لفكرة أن الكرامة لا تُهزم.
ومع انتفاضة آذار 1991، دخلت كوردستان مرحلة جديدة. لم تعد البيشمركة مجرد قوة مقاومة، بل أصبحت حامية لتجربة سياسية ناشئة. ومنذ ذلك الحين، تطورت تدريجيًا إلى مؤسسة أمنية مسؤولة عن الاستقرار الداخلي.
وبعد 2003، ومع سقوط النظام السابق، جاء دستور العراق لعام 2005 ليمنح هذه القوة غطاء قانونيًا، معترفًا بإقليم كوردستان ككيان اتحادي، ومقرًا بحقه في إدارة قواته الأمنية. لكن هذا الاعتراف ظل، في كثير من الأحيان، حبيس النصوص. فقد بقيت ملفات التمويل والتسليح والتنسيق الأمني محل خلاف مستمر، كما تشير تقارير International Crisis Group، في حين أكدت RAND Corporation أن حجم الدعم لم يكن متناسبًا مع حجم التهديدات التي واجهتها البيشمركة.
ثم جاءت لحظة 2014، التي أعادت تعريف دور هذه القوة. في 3 آب (أغسطس)، اجتاح تنظيم داعش الذي اجتاح ثلث العراق، وانهارت وحدات عسكرية بأكملها خلال أيام. فجأة، أصبحت البيشمركة خط الدفاع الأخير. امتدت جبهاتها لأكثر من 1000 كيلومتر، بحسب The Washington Institute، وخاضت معارك حاسمة من مخمور إلى شنكال وسد الموصل.
في معركة سد الموصل، في آب (أغسطس) 2014، لم تكن المواجهة على موقع استراتيجي فحسب، بل على توازن العراق بأكمله. وقد وصف الجنرال Lloyd Austin أداء البيشمركة بأنه "شجاع ومحترف"، في شهادة نادرة على كفاءة قوة نشأت خارج الأطر التقليدية للجيوش النظامية. وقدمت خلال تلك الحرب أكثر من 1800 شهيد وآلاف الجرحى، في مواجهة لم تكن خيارًا، بل ضرورة.
وسط هذا الانهيار، برزت كوردستان كاستثناء. أكثر من 1.5 مليون نازح ولاجئ وجدوا فيها ملاذًا آمنًا، وفق بيانات UNHCR. لم يُسأل القادمون عن هوياتهم، بل عن حاجتهم إلى الحماية. وهنا، لم تكن البيشمركة قوة قتال فقط، بل قوة استقرار.
وبالرغم من ذلك، لم تغب التحديات. فالتوازن الهش في المنطقة جعل الإقليم عرضة لتداعيات صراعات لا ينتمي إليها. هذا ما تجسد بوضوح في الهجوم الذي استهدف مواقع للبيشمركة في منطقة سوران في 24 آذار (مارس) 2026، والذي أدى إلى سقوط شهداء وجرحى في صفوفها.
وهنا يطرح السؤال المفتوح: لماذا تكرر استهداف إقليم كوردستان بالرغم من دوره الواضح في حفظ الأمن ومكافحة الإرهاب؟
الهجوم لم يكن حدثًا عابرًا. فقد أثار موجة إدانات إقليمية ودولية، واعتُبر تصعيدًا خطيرًا يهدد استقرار منطقة عُرفت بدورها في احتواء الأزمات. فالمعادلة غالبًا ما تترافق مع حجج جاهزة لتبرير استهداف الإقليم: مزاعم السيطرة على الموارد، أو تحميل البيشمركة مسؤولية ملفات سياسية لا علاقة لها بها، أو مزاعم جاهزة تحت أي ذرائع واهية.
التاريخ الحديث يؤكد أن الهجمات لم تقتصر على المواقع العسكرية. فقد استهدفت جماعات مسلحة حقول النفط والغاز في الإقليم مرات عدة، كما تم استهداف منازل المواطنين الأبرياء، في محاولة واضحة لإثارة الفوضى والضغط على السلطة المحلية. وسائل الإعلام الممنهجة، التي تشكل ما يمكن تسميته "الطابور الخامس"، دائمًا ما تبث حقدًا ممنهجًا ضد أبناء كوردستان، مكرسة روايات مزيفة لتشويه صورة الإقليم وبيشمركته في الداخل والخارج.
كما عبّرت جهات دينية وإنسانية عن تضامنها مع الضحايا، معتبرة أن استهداف قوة لعبت دورًا محوريًا في حماية المدنيين لا يمكن فصله عن التحديات الأوسع التي تواجه العراق والمنطقة. وفي الوقت نفسه، شددت قيادات الإقليم على أن كوردستان لم تكن طرفًا في أي صراع إقليمي، وأنها دفعت ثمن موقعها الجغرافي أكثر مما استفادت منه.
هنا، لا يعود الحديث عن البيشمركة مجرد استذكار للماضي، بل يتحول إلى سؤال عن المستقبل، ورسالة مفتوحة:
إلى المجتمع الدولي،
البيشمركة ليست مجرد قوة محلية، بل شريك حقيقي في حفظ الأمن الإقليمي والدولي. وقفت في الصفوف الأمامية في مواجهة الإرهاب حين تراجع الآخرون، وقدمت تضحيات جسيمة دفاعًا عن قيم إنسانية مشتركة.
ومع ذلك، لا تزال حقوقها، وحقوق الإقليم الذي تحميه، عالقة بين النصوص والتطبيق. دعم البيشمركة ليس موقفًا سياسيًا عابرًا، بل هو استثمار مباشر في الاستقرار. وضمان حقوق إقليم كوردستان، كما أقرها الدستور العراقي، لا يخص الداخل العراقي وحده، بل يرتبط بتوازن منطقة كاملة تعيش على حافة التوتر.
حين تُترك هذه القوة دون دعم كاف، لا يكون الخطر محصورًا داخل حدود الإقليم، بل يمتد ليهدد الاستقرار الذي دفع الجميع ثمنًا باهظًا لتحقيقه.
كوردستان لم تكن يومًا مصدرًا للأزمات، بل كانت في كثير من اللحظات سدًا أمامها. والبيشمركة لم تكن قوة حرب بقدر ما كانت قوة ضرورة، تحمي حين يغيب الأمان، وتثبت حين ينهار الآخرون.
وقبل الختام، تبقى الحقيقة الأعمق:
البيشمركة ليست مجرد من يحمل السلاح، بل هي الأساس لفكرة راسخة، فكرة الدفاع عن الكرامة، وعن الأرض، وعن الإنسان، وطريق الشرف نحو الشهادة.
كلنا بيشمركة كوردستان، وذلك شرف لا يُضاهى.


