: آخر تحديث
انتقال "غرفة العمليات" إلى النواة الصلبة:

ذوالقدر ونهاية الازدواجية في المجلس الأعلى للأمن القومي

4
5
5

في أعقاب مقتل علي لاريجاني، العقل المدبر والوسيط التقليدي للنظام في الأزمات الدولية، يأتي تعيين محمد باقر ذوالقدر أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي (SNSC) ليمثل ما هو أبعد من مجرد إجراء إداري؛ إنه "تغيير في العقيدة" لهيكل السلطة في إيران. يحمل هذا التحول في 24 آذار (مارس) 2026 رسالة واضحة: النظام الإيراني، في مواجهة أزمات وجودية، قرر نزع قناع الدبلوماسية وتسليم قيادة الأمن القومي بالكامل إلى "النواة الصلبة" في الحرس الثوري.

ذوالقدر؛ مهندس عمليات الظل واستراتيجي القمع
محمد باقر ذوالقدر (مواليد 1954)، على عكس سلفه لاريجاني ذي الشخصية السياسية البرلمانية، هو ابن خالص لـ "المؤسسة الأمنية". سوابقه تشير إلى ارتباط لا ينفصم بأكثر طبقات السلطة عنفًا؛ فقد بدأ مساره من النواة المركزية لاستخبارات الحرس الثوري، وكان من مؤسسي "منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية" (الجناح اليميني) لمواجهة معارضي النظام.

إن دور ذوالقدر في تأسيس "مقر رمضان" عام 1986، جعل منه المهندس الأول لـ "حروب الوكالة" و"العمليات العابرة للحدود"، وهي التجربة التي أصبحت حجر الزاوية في السياسة الإقليمية للنظام. لكن تاريخه لا يقتصر على الخارج؛ فحكمه في لجنة الإشراف على "الاغتيالات المتسلسلة" في عهد خاتمي، وشغله منصب نائب القائد العام للحرس الثوري لثماني سنوات، جعلا منه أحد الأعمدة الرئيسية لحفظ بقاء النظام أمام الهزات الداخلية.

من "مجلس حكومي" إلى "مقر تنسيق النواة الصلبة"
وفقًا للمادة 176 من الدستور، يرأس رئيس الجمهورية المجلس الأعلى للأمن القومي. وفي عهد رفسنجاني وخاتمي وروحاني، كان هذا المجلس مكانًا لنوع من "التوازن"، أو على الأقل "المساومة"، بين الحكومة والنواة الصلبة للسلطة. لكن مع دخول ذوالقدر، انهار هذا التوازن تمامًا.

ذوالقدر، الذي كان يشغل منصب نائب اللواء غلام علي رشيد في "المجلس الاستراتيجي لأمن النظام"، لديه الآن مهمة دمج الهيكل الرسمي (المجلس الأعلى للأمن القومي) في الهيكل غير الرسمي (النواة الصلبة للحرس). هذا يعني أن مسعود بزشكيان، الرئيس الحالي، سيكون من الآن فصاعدًا مجرد "رئيس للجلسة"، بينما "صاحب التوجه والقرار" الحقيقي هو الأمانة العامة التي تتلقى أوامرها مباشرة من بيت المرشد وقيادة الحرس الثوري.

هندسة الأمن وتضييق الهامش على الحكومة
من أبرز سوابق ذوالقدر تصميم "خطة البصيرة" في انتخابات 2005، التي أدت إلى وصول محمود أحمدي نجاد إلى السلطة، مما يثبت تخصصه في "الهندسة السياسية الأمنية". تعيينه في عهد بزشكيان يعني حصارًا أمنيًا للحكومة التي رفعت شعار "الوفاق". فمن الآن، سيتم توجيه المعلومات وجدول أعمال المجلس بما يضمن شل أي استقلالية للحكومة في الملفات الحساسة، سواء في المفاوضات الدولية أو إدارة الأزمات الاجتماعية.

رسائل استراتيجية ما بعد "حرب الـ 12 يومًا"
يأتي توقيت هذا التعيين بعد الضربات القاصمة ومقتل وجوه الصف الأول، ليشير إلى دخول النظام مرحلة "إدارة البقاء". تعيين ذوالقدر يبعث ثلاث رسائل استراتيجية:

عسكرة مطلقة للسياسة الخارجية: تسليم الأمانة العامة لقائد "مقر رمضان" السابق يعني أن الدبلوماسية ستكون في خدمة "الميدان" والميليشيات أكثر من أي وقت مضى.

الاستعداد للقمع الأقصى: تاريخ ذوالقدر في القضاء ووزارة الشؤون الداخلية جعل منه خبيرًا في "هندسة الكبت"، وهو رد النظام على الرعب من الانتفاضات الداخلية المحتملة.

تجميد النواة القوية: استبدال الوجوه السياسية (مثل لاريجاني) بـ "جنرالات الظل" يثبت أن خامنئي، في لحظات الخطر، لا يثق إلا بدائرته الضيقة من العسكريين الموالين.

الخلاصة: العودة إلى عصر "الأمن الحديدي"
يمثل تعيين محمد باقر ذوالقدر نقطة النهاية لأوهام "تغيير السلوك" أو "تأثير الحكومات الوسطية" في هيكل الجمهورية الإسلامية. ذوالقدر، المدرج على قائمة العقوبات الدولية (القرار 1747) لدوره في البرامج النووية والصاروخية، يمسك الآن بدفة المؤسسة التي تقرر بين الحرب والسلام.

الحقيقة الجديدة هي: المجلس الأعلى للأمن القومي لم يعد ذراعًا للأمن القومي الإيراني، بل تحول إلى "غرفة عمليات النواة الصلبة للحرس الثوري". بهذا التغيير، يستعد النظام الإيراني لأصعب السيناريوهات؛ من الحرب الخارجية الشاملة إلى الانتفاضات الداخلية المدمرة، حيث أصبحت "أمن البقاء" هي الأولوية الوحيدة والمطلقة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.