: آخر تحديث

قصة نجاح ببلاغة وزير الإعلام السوري

4
5
4

تُعتبر وزارة الإعلام فائضًا عن الحاجة في دول مستقرة لا تحتاج إلى الدعاية بمعناها السلبي، لكن وزير الإعلام يبدو مفيدًا للصحفيين وكتّاب الرأي، إذ تمدّنا تصريحاته باستمرار بمواد نكتب عنها حين يشحّ الموضوع، لذا أتوجه له بالشكر، وآمل أن يواصل الإكثار من التصريحات.

كتبت مقالًا سابقًا بعنوان "رجاءً لا تأخذوا معلوماتكم من وزير الإعلام السوري"، حينما ورّطتني تصريحاته بالدعوة إلى حملة من أجل كشف مصير صحفي سوري كان معتقلًا في سجون تنظيم عسكري سابق، لكن تبيّن أن معلوماته لم تكن صحيحة.

أمدّنا السيد الوزير بتاريخ 22 آذار (مارس) الجاري بتصريح جديد قرأته في وسائل الإعلام، فقد نشرته صحيفة الثورة السورية ووكالة سانا، وهذا أمر طبيعي في أي دولة فيها وزارة إعلام، إذ من الواجب على وكالة الأخبار ووسائل الإعلام الرسمية نشر تصريحات وزيرها، فيحصل أي تصريح لوزير الدعاية، على ما تسميه بعض الدول وزير الإعلام، على معدل دوران عالٍ.

قال السيد الوزير في تصريحه: "سوريا تحقق تقدمًا مهمًا في مؤشر منظمة فريدوم هاوس التي تختص برصد الحريات وتصنيف الأنظمة السياسية حول العالم". ولا أخفيكم أني فرحت، خصوصًا أني ألمس تقدمًا كبيرًا في مجال حرية التعبير عن الرأي وحرية الإعلام يصل إلى حد الفوضى التي طالبت بضبطها مرارًا. فها هي بلادي تحقق أخيرًا قفزة نوعية في مجال الحريات. لكن صياغة الجملة "غشّتني"، فهي تذكر أنها تقدمت خمس درجات وتغفل رتبتها في المؤشر، فحملت نفسي وذهبت للبحث عن التقرير لأقف على الحقيقة، خصوصًا أن لي تجربة سابقة غير مشجعة مع تصريحاته.

حين قرأت وضع سوريا في التقرير، أصابني غم شديد، إذ وجدت أن الوزير قد دلّس في تصريحه، والتدليس، بحسب لسان العرب، هو كتمان عيب السلعة وإظهار الشيء على غير حقيقته، فالتدليس تزييف للحقيقة عبر الإخفاء والانتقاء حتى تلتبس وتُرى خلاف الواقع.

التقرير، الذي أشار إليه وزير الدعاية، يصدر سنويًا منذ عام 1973، ويقوم على منهجية تمنح كل دولة درجة من مئة، موزعة بين الحقوق السياسية والحريات المدنية. وتُقرأ هذه الدرجة ضمن ترتيب عالمي يبيّن موقع كل دولة في سلّم الحريات. في تقرير عام 2026 حصلت سوريا على عشر نقاط من أصل مئة (10/100)! أي راسب بجدارة، بشكل واضح حتى لمن لا يفهم بالإعلام ولا بالحريات ولا بتحليل البيانات، بعد أن كانت راسبة في العام السابق في الصف نفسه، حيث سجلت ثماني نقاط من مئة (8/100)، ودون مراجعة أزعم أنها كانت راسبة لعقود، أي أن الزيادة الفعلية ليست خمس نقاط كما يوحي التصريح، بل نقطتان فقط، وهو ما يمكن أن يحرزه أي طالب راسب في صفه لسنوات طويلة.

الأهم من ذلك أن هذه الزيادة المحدودة، أي العلامتين من مئة، جاءت من تحسن جزئي في خمسة بنود كانت سابقًا صفرًا. أي أننا أمام انتقال من "صفر" إلى "واحد" في مؤشرات فرعية، وليس أمام تغير بنيوي في واقع الحريات. ومع ذلك، جمّع الوزير هذا التحسن الجزئي وقدمه على أنه قفزة كبيرة في الحريات. والحقيقة أني أرى التقرير مجحفًا في مسألة حرية الإعلام والتعبير عن الرأي، لكن وزير الدعاية قرر الترويج له، فلا بد لنا من نقاشه.

عند النظر إلى موقع سوريا في الترتيب العالمي، تتضح الصورة أكثر. فالبلاد ما تزال ضمن فئة "غير حرة"، وتقع في ذيل القائمة. الدول التي جاءت دونها عددها محدود، وهي جنوب السودان التي سجلت نقطة واحدة، وتركمانستان بالنتيجة ذاتها، وإريتريا بنقطتين، وكوريا الشمالية بثلاث نقاط. وهذا يعني أن سوريا، بالرغم من "التقدم" المعلن، ما تزال في نادي الدول الأكثر تقييدًا للحريات عالميًا.

أما على مستوى القطاعات الأساسية، فإن الصورة لا تدعم خطاب وزير الدعاية. فالمؤشرات الجوهرية التي يقوم عليها أي نظام حر، مثل نزاهة الانتخابات، وتداول السلطة، واستقلال القضاء، والمساءلة السياسية، لا تزال عمليًا في أدنى مستوياتها، ولم تشهد تغيرًا يُذكر، فهي ما تزال على حالها. وبالرغم من تفهمي لظروف البلاد الانتقالية، والتي أؤيد إلى حد كبير إجراءاتها العامة المتخذة، إلا أننا هنا نناقش معايير التقرير الذي أعلن وزير الدعاية عنه كإنجاز كبير.

إن التحسن الذي سُجّل في التقرير يرتبط بعوامل محدودة وموضعية، مثل بعض الانفراجات الجزئية في حرية الحركة أو في مجالات شخصية واجتماعية، وكلها بدرجة نقطة واحدة من الصفر. وهي تحسينات لا ترقى إلى مستوى تغيير بنيوي، بل تعكس تخفيفًا جزئيًا في بعض القيود.

يوضح التقرير أن أسباب هذا التحسن الطفيف تعود إلى عوامل ظرفية، كالتراجع النسبي في حدة العنف في بعض المناطق، أو تحسن محدود في قدرة بعض السكان على التنقل أو التعبير، وليس إلى إصلاحات مؤسسية عميقة أو إطلاق فعلي للحريات كما يُفهم من التصريح. وفي المقابل، بقيت الأسباب التي تُبقي سوريا في ذيل التصنيف قائمة، من غياب التعددية السياسية إلى القيود على الحريات والعمل المدني.

بهذا المعنى، فإن ما قُدِّم للرأي العام ليس قراءة دقيقة للتقرير، بل إعادة صياغة انتقائية له. إذ جرى تضخيم انتقالات طفيفة من الصفر إلى الواحد، وتحويلها إلى إنجاز مهم مع بقاء الدولة راسبة في امتحان الحريات، ومع تجاهل الموقع الحقيقي لسوريا في أسفل الترتيب العالمي.

ولو لخصنا المشهد، لقلنا إن الفرق بين ثماني نقاط وعشر نقاط لا يصنع تحولًا، بل يظل تفصيلًا صغيرًا في صورة كبيرة ما تزال قاتمة، نأمل تحسنها. أما تحويل هذا التفصيل إلى خطاب انتصار، فهو أشبه بمن أضاء شمعة في غرفة مظلمة، ثم أعلن أن الفجر قد أشرق.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.