منذ 1979، لم تنظر طهران إلى الشرق الأوسط بوصفه جوارًا جغرافيًا فقط، بل بوصفه مجالًا حيويًا تُدار فيه المعارك خارج الحدود لتأمين الداخل، ورفع كلفة أي ضغط أميركي أو إسرائيلي عليها، ومن هنا لم يكن بناء الأذرع المسلحة في لبنان، ثم العراق، فاليمن وسوريا، مجرد تعاطف أيديولوجي أو دعم لحلفاء، بل صياغة متدرجة لمنظومة نفوذ عابرة للدول، تجعل من القرار المحلي في هذه البلدان جزءًا من حسابات الأمن القومي الإيراني.
هذه المنظومة بلغت اليوم مرحلة أكثر خطورة، فمع الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، لم تعد وظيفة الوكلاء مجرد الردع الرمزي، بل تحولت إلى أدوات ضغط ميداني وسياسي واقتصادي: هجمات على المصالح الأميركية في العراق، وتصعيد عبر حزب الله في لبنان، وتهديدات وضربات طالت منشآت الطاقة والملاحة في الخليج، بما يجعل أمن المنطقة وأسواقها رهينة إيقاع التصعيد الإيراني، وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن واشنطن تواصل ضرب الميليشيات الحليفة لطهران في العراق، فيما ترد إيران برفع سقف التهديد، وبتشديد شروط أي تفاوض محتمل، لا من موقع التسوية، بل من موقع فرض الأكلاف على الجميع.
في العراق تتجلى هذه الاستراتيجية بأوضح صورها، فالفصائل الموالية لإيران لم تعد مجرد جماعات مسلحة على هامش الدولة، بل صارت جزءًا من توازناتها، تتحرك أحيانًا داخل بنيتها الرسمية وأحيانًا فوقها، فخلال الأيام الماضية استهدفت هجمات مسيّرة السفارة الأميركية في بغداد، كما أُطلقت صواريخ من محيط الموصل باتجاه قاعدة أميركية في شمال شرق سوريا، ثم جاءت الضربات الأميركية على مواقع للحشد الشعبي لتكشف مدى تداخل الساحة العراقية بالحرب الإقليمية، الأخطر من ذلك أن إقليم كوردستان يظل ساحة مفضلة للرسائل المسلحة: ضربة على حقل سرسنك النفطي في 5 آذار (مارس)، ثم هجوم صاروخي على موقع للبيشمركة شمال أربيل في 24 آذار (مارس) أوقع قتلى وجرحى، هكذا يُراد للعراق أن يُستنزف في حرب ليست حربه، وأن يُستخدم أرضًا للضغط، لا دولةً ذات قرار.
وفي لبنان لا يبدو المشهد بعيدًا عن المنطق نفسه، فحزب الله، بوصفه الذراع الأقدم والأكثر تنظيمًا، لم يعد فقط ورقة ردع لإيران، بل تحول إلى قناة لجرّ لبنان كله إلى حافة الانفجار، التصعيد الإسرائيلي بلغ حد إعلان التوغل حتى الليطاني، مع سقوط أكثر من ألف قتيل ونزوح واسع، فيما يجد لبنان الرسمي نفسه عاجزًا عن ضبط قرار الحرب والسلم بالكامل، حتى الخطوات اللبنانية الأخيرة ضد التمثيل الإيراني تعكس حجم المأزق: دولة تحاول أن تنأى بنفسها، وذراع مسلحة تدفعها إلى قلب المواجهة.
أما في الخليج واليمن، فقد سقطت نهائيًا رواية أن الأذرع تُستخدم فقط للدفاع عن إيران، فالضربات التي طالت منشآت الطاقة في السعودية وقطر والإمارات والبحرين والكويت، والتحذيرات الإيرانية المعلنة بإخلاء مواقع الطاقة، تؤكد أن طهران تستخدم الوكلاء والتهديد المباشر معًا لتوسيع دائرة النار كلما تعرضت لضغط عسكري، وهذا يعني أن "المجال الحيوي" الإيراني لم يعد مجرد حزام نفوذ، بل صار حزام ابتزاز استراتيجي: كلما ضُرب المركز، اشتعلت الأطراف.
الخلاصة أن إيران لا تدير حربًا دفاعية فحسب، بل تدير جغرافيا كاملة من الحروب بالنيابة، وحين تستخدم العراق ولبنان واليمن، وتضغط على كوردستان والخليج، فإنها لا تبحث عن نصر حاسم بقدر ما تبحث عن توسيع ساحة التفاوض بالنار، وهذه هي المعضلة الكبرى: أذرع طليقة، ودول رهينة.


