: آخر تحديث

ماركس والمالية: بين هشاشة الواقع وتناقضات الإنسان

4
5
5

ما الذي يربط بين الاقتصاد الحقيقي، ذاك النسيج اليومي الذي تُنسَج فيه حياة الناس وأعمالهم وأجورهم، وبين عالم المالية الذي يبدو أحيانًا ككون موازٍ لا يعترف بالجاذبية ذاتها؟ وأين يقف كارل ماركس من هذا الشرخ العميق الذي يفصل الإنتاج عن المضاربة، والعمل عن الأرقام؟

ماركس ليس مجرد اسم في كتاب قديم، بل عدسة حادة ما زلنا ننظر عبرها إلى العالم، حتى حين نزعم أننا تجاوزناه. مفكر أراد أن يمسك بكل شيء: بالاقتصاد، والسياسة، والفلسفة، وبالإنسان ذاته في اغترابه. انتقد عصره بلا هوادة، ولم يكتف بوصف العالم، بل حاول أن يعرّي منطقه الداخلي. وبرغم أن كثيرًا من أطروحاته الاقتصادية وُجهت باتهامات بعدم الواقعية أو المبالغة الأيديولوجية، فإن أفكاره، على نحو عكسي، تسللت إلى قلب السياسة نفسها، وأعادت تشكيل التاريخ باسمها.

ماركس اليوم أيقونة ثقيلة الظل. مر قرنان على ولادته، لكن اسمه ما زال يستدعي لدى أنصاره وعدًا باليقين والعدالة. لحيته تحولت إلى شعار، وصورته إلى سلعة. ولو كان للرموز حقوق ملكية، لربما تفوق رصيده على عمالقة وادي السيليكون.

في المقابل، تقف المالية كعالم بارد، صامت، لا وقت لديه للتأمل. عالم لا يعترف بالفلسفة إلا بقدر ما تتحول إلى "سردية" قابلة للبيع. قد نُقنع أنفسنا أن الأسواق لا تمس حياتنا اليومية، لكن الأرقام تفضح الوهم: حين ترتفع البورصات إلى قممها التاريخية، لا تتحرك الأجور إلا بالكاد، وحين تنهار، يسقط الاقتصاد الحقيقي معها كما في زلزال 2008. علاقة غير متكافئة، أشبه بعقد لا يربح فيه إلا طرف واحد.

هذا الرابط المنحرف حيّر الاقتصاديين طويلًا. جون ماينارد كينز، على سبيل المثال، رأى أن قيمة الشركات لا تُقاس بما تنتجه فعليًا، بل بالقصة التي تنجح في روايتها عن نفسها. الصورة، والعلامة، والقبول الاجتماعي، تصبح أهم من الميزانيات والنمو الحقيقي. وحين تتحول القصة إلى أسطورة، تولد الفقاعة، ويأتي الانهيار كصحوة قاسية. حدث ذلك مع فقاعة التكنولوجيا عام 2000، ويتكرر بأشكال جديدة مع العملات الرقمية، كواقع مالي يطفو بعيدًا عن الأرض.

أما ميلتون فريدمان، فقد حسم الأمر ببرودة السوق: الشركة ملك للمساهم، لا للعامل ولا حتى للمدير. كل شيء يُختزل في حركة بيع وشراء لا تتوقف، مليارات المعاملات التي تعبر العالم بسرعة الضوء، من نيويورك إلى شنغهاي، دون أن تسأل عمّن يصنع القيمة فعليًا.

الآلية، في جوهرها، تبدو بسيطة: طرح عام أولي، مستثمرون يؤمنون، رأسمال يتدفق، وظائف تُخلق. لكن السحر ينكسر حين تتحول الأسهم إلى غاية في ذاتها، وحين تبدأ الأسعار في العيش حياة مستقلة عن أي هدف إنتاجي. عندها يصبح التاريخ سلسلة من الفقاعات والانفجارات.

هنا، يعود ماركس من القرن التاسع عشر ليهمس في آذان القرن الحادي والعشرين. قد نلومه على نبوءة لم تتحقق بالكامل، على حديثه عن انهيار حتمي للرأسمالية، أو على رؤيته الراديكالية للمجتمع. لكن كلماته عن المالية تبدو اليوم، على نحو مقلق، واقعية. ففي "رأس المال" كتب عن ولادة أرستقراطية مالية جديدة، طبقة طفيلية تعيش على إصدار الأسهم وتداولها، على الاحتيال المنظم الذي يتخفى في هيئة نظام.

كان يرى تحولًا عميقًا: من مجتمع صناعي إلى مجتمع مالي، من ثروة تُنتَج إلى ثروة تُستخرج بالمضاربة، من العمل إلى الدخل المجرد. طبقة وسطى تتآكل، وملكية تتكدس، وصناعة تفقد معناها لصالح أرقام بلا جذور.

المفارقة أن ماركس، الذي هاجم الرأسماليين بلا رحمة، تنبأ في الوقت ذاته بتفككهم، وكأن النظام يحمل بذور انهياره في داخله. الرأسمالية، في نظره، لا تسير في خط مستقيم، بل في دوامة من الأزمات والانتعاشات. من فقاعة التوليب في القرن السابع عشر إلى أزمات القرن العشرين، وصولًا إلى أزماتنا الراهنة، تتكرر الدائرة دون أن تنكسر.

ولعل أكثر ما يربك صورة ماركس هو حياته نفسها. عاش في لندن، قلب الرأسمالية الناشئة، وكتب أعنف نقد لها من داخلها. سعى، بالرغم من فقره، إلى حياة برجوازية، دفع لبناته دروس الرقص، ولم يكن بمنأى عن إغراء المضاربة في البورصة. كأن الواقع الذي أدانه التهمه جزئيًا، أو كأنه أدرك، بمرارة، أن الإنسان لا يعيش دائمًا وفق أفكاره.

هنا، ربما، تكمن الرسالة الأعمق. ماركس لا يقول لنا إن العالم فاسد فحسب، بل إن الإنسان متناقض. نعرف الطريق القويم، لكننا نسلك غيره. نطالب بتحرير العمل، بينما نغرق في اغترابه. نفضح النفاق، ثم نمارسه حين يخدم احتياجاتنا. وربما كان غض الطرف أحيانًا وسيلتنا الوحيدة للتعايش مع هذا التوتر الداخلي.

هكذا يبقى ماركس شاهدًا لا على فشل نظام فقط، بل على هشاشة الإنسان نفسه: كائن يحلم بالعدالة، ويعيش بالتناقض، ويتأرجح دائمًا بين النقد والوقوع في ما ينتقده.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.