العراق ليس أرضاً بلا ثروات، بل أرضاً تُنهب ثرواتها، ليس عاجزاً عن النهوض، بل مكبّلاً بقيود الفساد التي جعلت من الدولة غنيمةً ومن الشعب ضحيةً.
أحياناً أشعر أن الحديث عن الحلول الواقعية ضربٌ من العبث، لأن المشكلة ليست في المال ولا في النفط ولا في المياه، بل في غياب الضمير. العراق لا يحتاج إلى خطط خمسية ولا إلى مؤتمرات دولية، بل يحتاج إلى لحظة صدق واحدة، إلى قرار واحد يوقف النزيف، إلى يدٍ نظيفةٍ تجرؤ على لمس الجرح.
قد تبدو هذه الكلمات مثاليةً، وربما ساذجةً، لكنني أؤمن أن الخيال أحياناً هو الطريق الوحيد لفتح نافذة في جدار مغلق. ماذا لو كان الإصلاح يبدأ من التعليم، من طفلٍ يتعلّم أن الوطن ليس غنيمةً؟ ماذا لو كان الحل في ثقافة جديدة، لا ترى الدولة كغنيمة بل كبيتٍ مشترك؟ ماذا لو كان التغيير يبدأ من أبسط التفاصيل: من كتابٍ مدرسي يزرع في عقل صغير فكرة أن العراق ليس أرضاً للبيع، بل أرضاً للحياة؟
وماذا لو كان الإصلاح يبدأ من قصيدةٍ أو أغنيةٍ أو لوحةٍ تذكّر الناس بأنهم شعب واحد، لا طوائف متناحرة ولا قبائل متفرقة؟ أليس الشعر والفن أحياناً أقدر من السياسة على جمع القلوب؟ وماذا لو كان الحل في إعادة الاعتبار للجامعة، للمعلم، للمثقف، بحيث يصبح العقل العراقي هو الثروة الحقيقية، لا النفط ولا العقود ولا المناقصات؟
أعرف أن هذه مجرد خواطر، وأن الواقع أقسى من أن يُغيَّر بالكلمات. لكنني أكتب لأن الكتابة نفسها مقاومة، ولأن الحلم، مهما بدا هشّاً، قد يجد يوماً طريقاً إلى التنفيذ. ربما لا يغيّر النص حكومةً، لكنه قد يغيّر قارئاً، وقد يزرع بذرةً في قلب إنسانٍ يقرّر أن يكون مختلفاً.
العراق لا يحتاج إلى أموال إضافية، ولا إلى وعود جديدة. يحتاج فقط إلى أن يتوقّف أبناؤه عن سرقة مستقبلهم، وأن يجرؤوا على بناء دولة لا تُباع ولا تُشترى. يحتاج إلى أن يتعلّم أن الوطن ليس عقداً في وزارة، ولا منصباً في برلمان، بل هو بيت كبير، إذا انهار سقفه فلن ينجو أحد.
الخلاصة؟ العراق يحتاج إلى خيال يجرؤ على أن يحلم، وإلى ضمير يجرؤ على أن ينفّذ. وبين الحلم والتنفيذ، هناك طريق طويل، لكنه الطريق الوحيد الذي يستحق أن يُسلك.


