: آخر تحديث

التغريد خارج السرب الكوردي

61
59
62
مواضيع ذات صلة

باتت الأزمات المفتعلة المتتالية تشكل العلامة الفارقة والعنوان الأبرز في المشهد السياسي الكوردستاني، فلا تكاد تنتهي واحدة حتى تبدأ أخرى بالطفو إلى السطح ودون مقدمات أو مؤشرات مسبقة، منذرة بجولة جديدة من التلاسن والمشادات المحمومة والكر والفر على الفضائيات وفي الفضاء الافتراضي حاصدة الكثير من المشاهدات والمتابعات والإعجابات، الأمر الذي يوحي قاطعًا بوجود أطراف تستسيغ الوضع بل وتسعى إلى إبقائه وإدامته أيضًا بشتى الطرق، متخذة منه وسيلة لإدارة دفة الأمور كما تشتهي سفنها من دون وازع، ومستغلة إياه لدغدة المشاعر القومية سعيًا لتحقيق مكاسب انتخابية أو تقديم نفسها كحامي حمى الديار والمدافع الأوحد عن القضايا القومية والوطنية، وإظهار الأطراف الأخرى كـ "مساومين، وخونة، وباعة الوطن".
ومن جملة الأزمات التي شهدها الإقليم وشغلت القاصي والداني في الفضاءين الحقيقي والمجازي، محاكمة ناشطين وصحفيين بتهمة التجسس وعرض اعترافات مصورة لهم فيما تنفي أحزاب سياسية ومنظمات المجتمع المدني وفريق الدفاع وأهالي المعتقلين ما جاء فيها جملة وتفصيلًا، بل وترفض جميع التهم برمتها. 
ثم عرض الطابع البريدي الذي ضم صورة البابا فرنسيس على خارطة كوردستان ما أثار حفيظة الأتراك والإيرانيين وعراقيين ممن يعادون الكورد وتطلعاتهم ويتحينون الفرص للإعلان عن نواياهم، وسرعان ما جاء التراجع الرسمي الكوردي ليبرئ ذمته من كل ما وقع، والأرجح أن القصة كلها كانت مجرد سيناريو لاستنهاض الههم القومية ليس إلا.
ثم مظاهرات أنصار للحشد الشعبي أمام المقر السابق لمجلس قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني في كركوك، رفضًا لتسليم المقر للحزب وما تبعه من اتهامات صريحة ومبطنة بين الجانبين تم استغلالها لمهاجمة جهات عراقية وكوردية وإلقاء لوم ما حلّ بالمدينة عليها.
وقبل ذلك كان لبث الفلم الإيراني (توكل) حول دور قاسم سليماني في تحرير مدينة مخمور من سيطرة داعش والدفاع عن أربيل عاصمة إقليم كوردستان انعكاسًا كبيرًا على علاقة طهران والإقليم ولا سيما الحزب الديمقراطي الذي تناول الفلم محادثة هاتفية لرئيسه مسعود بارزاني مع سليماني ما اعتبره أنصار الحزب تقليلًا من شأن زعيمهم ومساسًا بأحد رموز الكورد.
وقبله أيضًا كادت قضية تحريك القوات بين الاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني في منطقة زين ورتي القريبة من مناطق تواجد عناصر حزب العمال الكوردستاني أن تؤدي إلى اشتباكات مسلحة بين الجانبين.
وكذلك هناك توتر شبه دائم بين الحزب الديمقراطي وحزب العمال الكوردستاني تتخلله التهم المتبادلة بينهما فيما يتعلق بتدخل القوات التركية وعملياتها وقصفها المتكرر للمناطق الحدودية الآهلة بالسكان.
يضاف إلى ذلك استقبال رئيس الحزب الديمقراطي في مصيف صلاح الدين وفد ما يسمى الهيئة العليا للمفاوضات السورية برئاسة نصر الحريري وشخصيات أخرى لها سوابق في عداوة شعوب شمال سوريا والشعب الكردي، ويعتبرون الواجهة السياسية للمجموعات متحالفة مع الجيش التركي تعاونوا معه في احتلال أراضي عفرين وارتكاب المجازر فيها وتشريد الأهالي في تحدٍ صريح لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تدافع عن مناطق شمال وشرق سوريا من داعش.
وزد على ذلك دعم وتبني معسكرات تدريب ما يسمى بيشمركة روج المتواجدة في إقليم كردستان العراق والمناوئين لسلطة قسد ودعمهم ماديًا ولوجستيًا.
هذا ناهيك عن الحرب الكلامية اليومية التي يديرها الحزب الديمقراطي عبر قنواته الإعلامية الرسمية وغير الرسمية وفي الظل ضد الاتحاد الوطني شريكه في حكومة الإقليم والأحزاب المعارضة التي تنتقد الوضع السياسي والاقتصادي المتردي ونواب تحالف (الأمل – هيوا) الأكراد في مجلس النواب العراقي الذين يدعون للاتفاق مع الحكومة المركزية وإنهاء معاناة موظفي الإقليم بسبب تأخير رواتبهم والاستقطاعات التي تشملها وانعدام الشفافية في صرف واردات النفط والمنافذ الحدودية.
وكانت آخر حلقة في السلسلة ما جرى وراء كواليس جلسة مجلس النواب للتصويت على قانون المحكمة الاتحادية والتي قاطعتها كتلة الحزب الديمقراطي الكوردستاني، ليبدأ بعدها حملته الإعلامية ضد القانون ووصف ما جرى بالمؤامرة وكيل التهم والافتراءات ووصف المصوتين لصالح القانون من الكورد بالخروج عن الإجماع.
هذه الوقائع إن دلت على شيء فإنها تدل على أن هناك طرف حاد عن طريق الاستقامة يغرد خارج السرب ويريد تسيير الأمور حسب أهوائه ومصالحه الضيقة من دون الأخذ في الاعتبار أن هناك أطراف مشاركة معها في الحكم لها مواقف وطنية رصينة وتوجهات فاعلة لا بدّ أن تحترم، كما لا يتوانى هذا الطرف في مهاجمة الجميع طلبًا في افتعال الأزمات التي يرى فيها مصدر بقائه وديمومته من دون الاكتراث بما ستؤل إليه الأوضاع السياسية والاقتصادية في الإقليم.
ويعدّ هذا الطرف في كل واقعة نفسه على حق والآخرين على باطل ولا يعترف أبدًا بهفواته وأخطائه سواءً السياسية أو الإدارية أو الاقتصادية، ويروج لكل خطوة يخطوها كخدمة جليلة يقدمها للشعب والوطن فيما الآخرون في نظره وفي أدبياته السياسية والإعلامية ليسوا سوى حفنة لا تريد للإقليم الخير والسؤدد ومتآمرين مع الأعداء ومتكالبين عليه.
هذه السياسة لم تكن ذات جدوى قط وأصبحت مكشوفة المعالم لدى الجميع وليس بمقدورها الاستمرار فقد بطُلَ سرها وكانت السبب في تشرذم الصف الكوردي وفقدان جزء كبير من المكاسب التي تحققت بفضل العمل الجماعي الموحد فيما مضي. وليس أمام ممارسي هذه السياسة إلا خيارين: التوقف عند هذا الحد والاكتفاء بما سجلوه من إخفاقات وتغيير النهج والتعاطي مع القضايا، أو المضي قدمًا لحصد المزيد منها والسير نحو الهاوية.
 

صحفي من كوردستان العراق   
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.