: آخر تحديث

من الرياض إلى باريس.. السعودية تقود مستقبل الرياضات الإلكترونية

6
3
3

لم يكن حضور سمو سيدي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، ختام النسخة الثالثة من كأس العالم للرياضات الإلكترونية في باريس مجرد تشريف لحدث رياضي عالمي أو احتفاء بإنجاز تنافسي؛ بل تتويجًا لمسار طموح بدأ بتنظيم القطاع، ثم بناء المؤسسات وتطوير المواهب والاستحواذ على الشركات وإقامة البطولات الكبرى، وصولًا إلى تصدير منتج سعودي إلى إحدى أهم العواصم الأوروبية. إنها قصة انتقال من استهلاك الألعاب إلى الاستثمار في صناعتها، ومن استضافة المنافسات إلى التأثير في مستقبل القطاع عالميًا. بدأت الملامح المؤسسية للمشروع بتأسيس الاتحاد السعودي للرياضات الإلكترونية عام 2017، لتنظيم القطاع واكتشاف المواهب وبناء البيئة الاحترافية. وفي عام 2021 دخل المشروع مرحلة أعمق مع تأسيس صندوق الاستثمارات العامة مجموعة «سافي للألعاب الإلكترونية»، لتعمل من خلال الاستحواذات والاستثمارات والشراكات على امتلاك مواقع مؤثرة في سلسلة القيمة العالمية، من تطوير الألعاب ونشرها إلى تنظيم البطولات وبناء المنصات الرقمية. وجاء إطلاق الإستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية عام 2022 ليمنح المشروع إطاره الشامل. فالإستراتيجية لا تنظر إلى الألعاب باعتبارها نشاطًا ترفيهيًا منفصلًا، وإنما صناعة تتقاطع فيها التقنية والثقافة والإبداع والإعلام والسياحة والتعليم؛ وتستهدف بحلول عام 2030 تحويل المملكة إلى مركز عالمي للألعاب والرياضات الإلكترونية تقوده الكوادر الوطنية. وتكشف هذه المستهدفات أن الرهان السعودي أكبر من تنظيم بطولات ذات قيمة عالية على مستوى الجوائز؛ إذ يمتد إلى تأسيس اقتصاد جديد يوفر وظائف في البرمجة والتصميم والرسوم المتحركة وكتابة القصص والبث والإنتاج والتسويق والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، ويفتح المجال أمام الشركات الناشئة واستقطاب الاستوديوهات العالمية وتطوير حقوق ملكية فكرية سعودية قابلة للتصدير. وفي أكتوبر 2023 أعلن ولي العهد إطلاق كأس العالم للرياضات الإلكترونية وإنشاء المؤسسة المنظمة لها، واصفًا البطولة بأنها «الخطوة الطبيعية التالية» في رحلة المملكة لتصبح المركز العالمي الأول للقطاع. وانطلقت نسختها الأولى في الرياض عام 2024، وترسخت عالميًا في 2025، قبل انتقالها عام 2026 إلى باريس في أول نسخة دولية خارج المملكة. وبذلك تحولت المبادرة خلال ثلاثة أعوام إلى علامة عالمية تجذب الفرق واللاعبين والناشرين والرعاة ووسائل الإعلام. ويستند هذا التوجه إلى قراءة مُبّكرة لتحولات الاقتصاد الرقمي، حيث تمتلك المملكة قاعدة قوية لدخول هذه السوق، بوجود نحو 23.5 مليون لاعب يمثلون قرابة ثلثي السكان، بما يوفر سوقًا واسعة ومصدرًا للمواهب والمطورين وصناع المحتوى ورواد الأعمال. وقدمت نسخة باريس صورة عملية عن حجم المشروع في امتدادٍ لنجاح النسختين السابقتين في الرياض؛ إذ شارك فيها أكثر من ألفي لاعب ولاعبة، يمثلون أكثر من مئتي نادٍ ومن أكثر من مئة دولة، وتنافسوا في 25 بطولة تشمل 24 لعبة، بإجمالي جوائز بلغ 75 مليون دولار. وتوّج فريق AG.AL الصيني بلقب بطولة الأندية، فيما حل «فالكونز» السعودي ثانيًا بعد فوزه باللقب في نسختي 2024 و2025، مؤكدًا أن الاستثمار السعودي يجمع بين صناعة المنصة العالمية وبناء فرق وطنية تنافس على القمة. لكن القيمة الاقتصادية لا تقف عند الجوائز ونتائج الفرق؛ فالبطولة واجهة لمنظومة أشمل تحفز السياحة والطيران والضيافة والإعلام والإعلان والتقنية، وتستقطب الشركات والخبرات. أما الاستثمار الأبعد أثرًا فهو تحويل الشباب من مستهلكين للألعاب إلى مطورين ومنتجين ومبتكرين. وكما أكد ولي العهد، فإن «طاقة وإبداع الشباب السعودي وهواة الألعاب الإلكترونية» هما محرك الإستراتيجية. والمأمول أن تنتقل المملكة من الاستثمار في الأصول العالمية إلى إنتاج ألعاب سعودية منافسة، تحمل قصصًا وشخصيات مستمدة من الثقافة المحلية وتحقق عوائد ممتدة من المبيعات والتراخيص والمحتوى. ومن هنا يصبح الانتقال من الرياض إلى باريس أكبر من انتقال بطولة بين مدينتين؛ إنه انتقال لفكرة سعودية إلى العالمية، وتجسيد لفلسفة تحول الشغف إلى معرفة، والمعرفة إلى صناعة، والصناعة إلى قيمة اقتصادية مستدامة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد